Navigation

مفهومُ الإيمان في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام

مفهومُ الإيمان من وجهة نظر يهوديّة

ننطلقُ في تناولنا مفهوم الإيمان من وجهة نظر يهودية من الإقرار مع الفيلسوف الألماني اليهودي مارتن بوبر (Martin Buber) بأنّ فهمَ الإيمان يستند إلى ركيزتين أساسيّتين: تقومُ الأولى منهما على مبدأ الثقة بشخص ما (ما يُعرف في الديانة اليهودية بمفهوم  Emunah  أي الإيمان)، فيما تستندُ الركيزة الثانية إلى الإعتراف بحقيقة شيءٍ ما (وهذا ما يحدّده مفهوم  pistis اليوناني المسيحي). لا شكّ في أنّ هذه الثنائيّة مبسَّطة جدًّا، لكنّها تشكّلُ نقطة انطلاقٍ لتحليل موسّع للمفهوم. على سبيل المثال، لا يمكننا التغاضي عن الاختلاف الجذري بين كلّ من الديانتين اليهودية والمسيحية من حيث وظيفة الإيمان: فانتماءُ المسيحيّين إلى ديانتهم إنّما ينتجُ في الدرجة الأولى عن إيمانهم. أما انتماء اليهود إلى دينهم فيكون أوّلاً بتطبيق فرائض الناموس.

يتّضح لنا هذا الاختلاف بين الديانتين فيما يتعلّق بمفهوم الإيمان، إذا عدنا إلى كتاب اليهود المقدّس، أي العهد القديم، حيث مصطلح “أمان” الذي اشتُقّت منه كلمة “إيمان” لا يتجاوز استخدامه 51 مرّة، وذلك بالمعنى الضيّق المحدود للـ”ثقة” أو “التصديق”. وتُستعمَل الكلمة كإسم، في 49 موضع آخر. مقارنة بذلك، يستخدَم فعل “آمن” باللغة الونانية 243 مرّة في العهد الجديد، وهو كتاب المسيحيين المقدّس حصرًا. إضافة إلى ذلك، غالبًا ما يقترنُ مصطلح الإيمان، حيثما يُستخدمُ في العهد القديم، بمفاهيم أخرى منها الثقة والتضامن، كما بمفهوم الخوف (بمعنى الاحترام أو الجزع).

من الملفت للنظر في السياق نفسه، أنّ النصوصَ العبريّة الأولى تخلو من أيّة عقيدة منهجيّة أو تعليم شفوي أو أيّ نوع من العقائدية (الدوغماتية) المنهجية التي قد تصف الإيمان: صحيحٌ أنّ الديانة اليهودية ترتكز إلى مجموعة من العقائد الأساسيّة، غير أنّ تلك الأخيرة تختلف باختلاف مصدرها ولا تشكل صورة متماسكة. وقد أصبح الإيمان في العصور الوسطى مقولة من المقولات الفلسفية العامة ونوعًا من التقاطع ما بين مفهومي الإيمان والحقّ. ويغيب هذا تمامًا عن كتاب المسيحيّين المقدس. مع ذلك، يطالعنا في بعض النصوص العبرية ومنها على سبيل المثال، “الكتاب الخزري”  للشاعر والحاخام اليهودي الأبرز في الأندلس، يهوذا بن صموئيل اللاوي، وصفٌ للإيمان من وجهة نظر يهودية على أنه يرتكز إلى العلاقة التاريخية ما بين الشعب اليهودي وإلهه، وإلى التواصل بينهما، أكثر ممّا يرتكز إلى الإيمان بحقيقة تأملّية مجرَّدة.

يضاف إلى ذلك أنّ المعتقدات النظرية الفرديّة في التقليد اليهودي لا ترتبط بتطور المجتمع. فالتوراة تشكل مركز التقليد والركن الثابت الوحيد فيه؛ مع هذا، تغيب الأجوبة الحاسمة والقاطعة عن مسائل تفسيرها. ما يبقي التقليدَ حيًّا هو هذا النقاش الذي لا ينتهي حول مسألة تكييف التوراة مع الظروف المتغيّرة. حتّى إيمان إبراهيم، وهو إيمان فردي بامتياز دفع بصاحبه إلى الرحيل عن جماعته الأصليّة، يكتسب أهميّة بالغة في هذا السياق، وذلك، بالدرجة الأولى، لأنّ الإيمان قاد إبراهيم إلى تأسيس جماعة وتقليد جديدين، وليس لكون إيمانه نموذجًا عن الإيمان الفردي.

 

 

مفهومُ الإيمان من وجهة نظر مسيحيّة

يتّفق اللاهوتيون المسيحيّون أينما حلّوا، على إعادة مفهوم الإيمان المسيحي إلى إيمان إبراهيم وإلى الثقة بالله المبيّنة في المزامير، فيكون، بذلك، مفهوم الإيمان من وجهة نظر مسيحية قائمًا على مصادر يهودية. وهذا ما يؤهّل هذا المفهوم لأن يكون قاعدة مشتركة للنقاش بين الديانات التوحيدية الثلاث. مع ذلك، يتّخذ مفهوم الإيمان في الديانة المسيحيّة عددًا من الأشكال التي قد لا تتجانس حتمًا، وهو يفتح بذلك المجال أمام الكثير من التأويلات المختلفة. فكثيرًا ما كان مصطلح الإيمان قابلًا لعدد من التفسيرات، وكثيرًا ما خضع، كما سواه من المصطلحات الدينية المسيحية، لعدد من الترجمات والمعاني المتحولة. ذلك أنّ الرسالة الإلهية لا بدّ أن تختصّ بأفراد يعيشون في أماكن وظروف محدّدة. تاليًا، فان مفهوم الايمان مرتبط بالحياة الدينية العلائقية  للمؤمن، ولا يتقبّل تعريفًا عامًّا أو تجريديًّا غيبيًّا. عوضًا عن ذلك، ربطت ظاهرةُ الإيمان الدينَ بعلم الإنسان من خلال افتراض جوانب ثلاثة للايمان عمومًا، وهي الجانب الفكري والجانب المعنوي والجانب العاطفي. وتختلف المذاهب المسيحية في فهمها للعلاقة القائمة بين هذه الجوانب وفي فهمها لأهمية كلٍّ منها بالنسبة للجانبين الآخرين. فالتقليد البروتستانتي، مثلاً، يشدّد أكثر من سواه على أهمية الإيمان وحده من أجل الحصول على الخلاص. وهذا ما تعبّر عنه عبارة مارتين لوثر: “بالايمان وحده”. هذا الرأي يميّز تمييزًا واضحًا لا يقبل الدحض بين الإيمان والاعمال او بين العمل الالهي والعمل البشري. كما يفضي هذا الرأي إلى ازدواجية تتمثّل في الاعتماد على نعمة الله والثقة بالايمان الفردي. يضاف إلى ذلك، أنّ البروتستانتية تشدّد تشديدًا ملحوظًا على جوانب الايمان التي تُحرّر وتدفع إلى التعدّدية، فتصوِّر الإيمان حرًّا من أي شرع رسمي.

ويتّخذ الإيمان من وجهة نظر مسيحية أشكالًا شخصية من التعبير ومن الصلاة. ومن هذه الأشكال أيضًا الاعتراف بالخطايا. كذلك الطقوس الليتورجية هي من أشكال التعبير عن الإيمان.

 

 

مفهوم الإيمان من وجهة نظر إسلامية

يميّز القرآن تمييزًا واضحًا ما بين الإيمان الداخلي والأعمال الخارجية، كما نتبينه من عدد من الآيات. وقد شكّل النقاش الذي أثارته الآيات المذكورة حول العلاقة بين الإيمان والأعمال الإطار الذي أدّى إلى تبلور مفهوم الإيمان في الإسلام. على سبيل المثال، عرّف أبو حنيفة الإيمان على أنه التصديق الداخلي بالإله الواحد ونبوءة محمّد، الذي قد تكمّله الاعمال الحسنة. لكن الإيمان بحد ذاته أساسي وغير قابل للتجزئة، أي أنه لا يتغيّر لا كمًّا ولا قوة، فهو إما موجود أو غير موجود.

في المقابل، ساد بين أهل السنة رأي يقول بأن الإيمان قد يزداد أو يضعف، وأن مقداره قد يختلف باختلاف الأشخاص. يرى أصحاب هذا الرأي في الايمان جزءًا لا يتجزأ من الاعمال، يضاف أو ينزع من الناس، نتيجة الاعمال الحسنة أو السيئة. ويتّفق هذا الرأي وما ورد في القرآن الكريم. لكنّ هذا التفسير يعني أن لا أحد يمكنه أن يبلغ الحدّ الأقصى من الإيمان، وأنّ الاعمال المحتملة لا تحصى ولا تعدّ. لهذا السبب، اعتبر أبو حنيفة الإيمان وحدة غير قابلة للتجزئة تسبق الممارسات الدينية، وأنه على غرار المعرفة الأساسية، لا تُمكن خسارته بعد اكتسابه ونيله. هذا يفضي إلى تحديد شامل لجماعة المؤمنين (وهم الذين يؤمنون بالله والانبياء)، يختلف تمامًا عن التحديد المتّبع في جماعات أخرى متطرّفة، منها الخوارج في اعتماد مبدأ التكفير (إعلان أحدهم غير مؤمن).

يتبيّن لنا ممّا سبق، وبحسب رأي أبي حنيفة، أنّ كلّ من ادّعى أنه مسلم هو مساوٍ للمسلمين الآخرين. هذا يثير مسألة التوفيق بين هذا الرأي والمستويات المختلفة للالتزام بالايمان. في هذا السياق، يشبّه أبو حنيفة الامر بالقدرة على السباحة: قد يتمتّع سبّاحان بمستويات مختلفة من المهارة والثقة، لكنهما متساويان في كونهما سبّاحين. مع ذلك، قد يختلف سبّاح عن الآخر من حيث جوانب أخرى ترتبط بالقدرة على السباحة، بما في ذلك معرفة أنهما قادران على السباحة. ولمّا كانت النظرية نفسها تصحّ على الإسلام، فإنّ اعتبار ابي حنيفة الإيمان وحدة غير قابلة للتجزئة قد حدا بأهل السنة إلى التمييز ما بين الإسلام كانتماء رسمي وأساسي لجماعة المؤمنين، والإيمان على المستوى الفعلي من الالتزام الذي لا يشمل الإيمان وحده بل أيضًا التحفيز والعمل.

ويشدّد القرآن الكريم على أن المعرفة الحقّة ترتبط بالايمان، وإلا فهي ليست معرفة. كذلك يقود التفكير البشري الصحيح بالضرورة إلى الإيمان بحسب القرآن الكريم.