Navigation

مفهوم الوحي في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام

 

يُعَدّ مفهوم الوحي مفهومًا مؤسِّسًا في كلّ من الدين اليهوديّ والمسيحيّ والإسلاميّ، وهو يستدعي لذلك عناية خاصّة. فعلى الرغم من أنّه يساوَى في كثير من الأحيان بالنصّ المقدّس، فهو أكثر تشعُّبًا من ذلك بكثيرٍ، متضمِّنًا لمستويات عدّة. على سبيل المثال، يمرّ الوحي في مسار ذي مراحل متعدّدة قبل أن يدوَّن ويُقَوْنَن، أي تُسكَبَ حصيلته في كتبٍ، تكرِّسها الجماعة كتبًا مقدَّسة. بالإضافة إلى ذلك، ولأنّ الوحي يتطلّب اعترافًا من المتلقّي المعنيّ به حتّى يصبح فاعلًا، يضطلع البشر الذين يتوجّه الوحي إليهم بدور حيويّ ضمن هذا المسار. نتيجةً لهذا الدور البشريّ، يصبح للظروف التاريخيّة التي يحصل الوحي فيها دور أساسيّ أيضًا.

 

مفهوم الوحي في الدين اليهوديّ

ليس نصّ الوحي في الدين اليهوديّ مقصورًا على التوراة العبريّة، بل يشمل أيضًا التلمود (أي “التوراة الشفويّة”). ففي حين أُنزلت الوصايا على شعب إسرائيل كجماعة، فإنّ كلّ يهوديّ مدعوٌّ بصورة فرديّة إلى اتّباعها. يحتلّ النصّ المقدّس، بما هو كلام الله، موقعًا مركزيًّا في الدين اليهوديّ، لكنّ النصّ في حدّ ذاته مجرّدُ كلمات: إنّ مهمّة المؤمن كامنة في تحويله إلى فعل وواقع.

هناك في داخل التراث اليهوديّ جدل حول مركزيّة كلّ من النصّ المكتوب والتوراة الشفويّة. فالتيّار الأرثوذكسيّ يرى أنّ التوراة الشفويّة هي أيضًا كلمة الله التي أُنزلت إلى موسى، لكنّها لم تدوَّن إلّا في فترة لاحقة، وبعد تناقلها شفاهًا ومناقشتها. لكن هناك جماعات أخرى تعترف حصرًا بصحّة التوراة المكتوبة. ومهما يكن من أمرٍ، تُعَدُّ الشريعة اليهوديّة (التي تُعرف بالـ”هالاخاه”) صادرةً عن الله مباشرةً، شأنُها في ذلك شأنُ الشريعة الإسلاميّة: أيًّا كانت مكانة التوراة الشفويّة، فقد أُعطي موسى الوحي كلًّا واحدًا، ولم يُضَفْ إليه شيء جديد لاحقًا.

لقد شهد القرنان الأخيران جدالًا بين اليهود الأرثوذكس واليهود التقدّميّين حول طبيعة الوحي. فالفهم الأرثوذكسيّ يرى الوحي مجموعةً من الشرائع الثابتة، التي أضيفت إليها عناصرُ ضمن التراث الشفويّ (لكنّها لم تراجع!)، وهي الآن ناجزة وغير قابلة للتعديل. من جهةٍ أخرى، ينظر المفكّرون التقدّميّون إلى الوحي على أنّه مسار متواصل، بدأ في خطّ تاريخيّ محدّد وظلّ مضمونه يتبدّل مع تطوّر التراث الشفويّ، وذلك بتبدّل الزمان والظروف. هذا الفهم يفتح المجال أمام تعديلات حديثة، إذ ليس هناك أسباب تحتّم أن يكون هذا المسار مسارًا ثابتًا وناجزًا في نقطة ما من الزمن. ضمن هذه المنظومة الفكريّة، يُنظَر إلى التوراة على أنّها نصٌّ كتبه بشر تلقَّوا إلهامًا من الله في زمانٍ وسياقٍ محدّدين.

ثمّة الكثير من الأسئلة حول قصّة الخلق في سفر التكوين وكيف يُمكن لهذه القصّة أن تساعدنا على فهم الوحي لكونها تصوّر لنا علاقة الله والإنسان. كذلك تُطرَح أسئلة حول طبيعة النصوص المقدّسة وعلاقتها بالوحي: فهل يضع تكريسُ النصّ المقدّس حدًّا لمسار الوحي؟ كذلك لا بدّ من التوقّف عند قضيّة “حصريّة الدعوة” التي على ديانات الوحي التعامل معها: فكيف يمكن المؤالفة بين فكرة خصوصيّة الشعب المختار، أو فكرة زمان الوحي ومكانه، من جهة، وبين طبيعة الرسالة الكونيّة، من جهة أخرى؟ إنّ للدين المسيحيّ والدين اليهوديّ طبعًا جوابَين مختلفين اختلافًا حادًّا على هذا السؤال. أمّا مفهوم تشظّي اللوغوس (fragmentation of the logos) الذي صاغه دانيل بويارين (D. Boyarin) فهو يشير إلى جهود الحاخامات في عصر القدامة المتأخّر في الترويج لمنطق تأويليّ أكثر انفتاحًا يفتح المجال أمام المزيد من الليونة، وذلك في مواجهة اللاهوت المسيحيّ ذي الطبيعة الجدليّة العقائديّة الذي كان سائدًا في تلك الفترة والذي كان هدفه الجمع بين تأويلات مختلفة في تعليم واحد. يشار أيضًا إلى أنّ التأويل مرتبط دومًا بالنصوص نفسها، بالتالي يُمكن أن يُنظر إلى عمليّة التأويل على أنّها جزء من الوحي نفسه.

لا بدّ أيضًا من التطرّق إلى قضيّة الترجمة وعلاقتها بالوحي. ففي الولايات المتّحدة الأميركيّة يعتقد بعضُ المسيحيّين اليوم أنّ مترجمي الإنجيل كانوا أنفسهم يتلقّون إلهامًا إلهيًّا وأنّ ترجمة الملك جايمس أقرب إلى كلمة الله من سواها من الترجمات. أمّا في الدين اليهوديّ فالأمر مختلف. فترجمة التوراة إلى اليونانيّة في القرن الثاني قبل الميلاد سرعان ما أُسقطت من التراث اليهوديّ وصارت تُستخدم من المسيحيّين حصرًا. يرجع ذلك إلى الاعتقاد بأنّ وحده النصّ العبريّ يخوّل القارئ أن يَفهم ظلالَ المعاني، وذلك استنادًا إلى معرفة كلّ المعاني المحتملة التي تتيحها كلمة واحدة أو جذر واحد. إنّ لغة اللاهوت اليهوديّ ومصطلحاتِه لا بدّ أن تكون عبريّة، والنصُّ يستلزم دلالات هذه المفاهيم ليُفهم فهمًا كلّيًّا.

ويقودنا ذلك ختامًا إلى قضيّة تفسير الوحي. ففي الشريعة الإسلاميّة نعثر على مبدأ “كلّ مجتهد مصيب” وهو مبدأ يتيح قبول رأي كلّ عالمٍ يملك المعرفة اللازمة ويقوم بجهدٍ صادق في تفسير الشريعة. في الدين اليهوديّ هناك أيضًا أُسُس للتفسير تطابق مثيلاتها في الدين الإسلاميّ. في هذا السياق، لا بدّ من التذكير بأنّ نصّ التوراة المكتوب (الذي يقوم فقط على الصوامت) هو نصّ ثابت، في حين أنّ تشكيله بالصوائت وتأويلَ معانيه يفتحان هامش التأويل أمام الحاخامات. وفي كلا الديانتين نعثر على أمثلة على هذه الانفتاح في التفسير. فوفقًا لأحد الأحاديث، قدِمَ ذات مرّة رجلان إلى النبيّ محمّد يسألانه عن معنى آية كانا يقرآنها قراءةً مختلفة، فأجاب النبيّ أنّ كلا القراءتين صحيح. وفي الدين اليهوديّ هناك قصّة حول جدال دارَ بين حاخامَين، أنهاهُ الله بقوله: “إنّ أولادي على حقّ”، مُعلنًا بذلك صلاحيّة كلا الموقفين. هذه الفكرة تترك السؤال مفتوحًا حول مَن هو المخوَّل للقيام بمثل هذه الاجتهادات.

 

مفهوم الوحي في الدين المسيحيّ

ننطلق في تناولنا لمفهوم الوحي في الدين المسيحيّ من الإشارة إلى أنّ ظهور الله يكتسب بُعدًا تأسيسيًّا في الديانات التوحيديّة كلّها، وذلك يعني أنّ للنقاش حول الوحي نتائجَ واسعة التأثير في خطاب الديانات. فالنقاشات البَينَ-دينيّة غالبًا ما تتركز حول هويّة مؤلّف الوحي، وحول صوابيّة مضمون الوحي أو صحّته. كذلك ينصبُّ النقاش على العلاقة بين الوحي نفسِه والشاهد على الوحي (أي النصّ القدّس)، بالإضافة إلى السؤال عن الكيفيّة التي يُحتَكَم بها إلى الوحي. اليوم، يُربَط ذلك بقضيّة مذاهب العصمة الحديثة التي غالبًا ما تتّخذ من عصمة النصّ المدوَّن عن الخطأ أساسًا لصحّة الوحي.

في النقاشات البَيْنَ-دينيّة حول الوحي، لا بدّ من الإجابة عن سؤال ارتباط التقاليد الدينيّة المختلفة في ما بينها في ما يخصّ تطوُّر فهم الوحي. فإلى أيّ حدّ تأثَّرت صياغةُ مفهومٍ للوحي في ديانةٍ ما بتسطير أوجه الشبه والاختلاف في التقائها بديانة أخرى؟ إنّ تطوّر اللاهوت المسيحيّ منذ العصور الوسطى لا يشكّل، على سبيل المثال، إلّا ثلثَ المشهد الكامل. إذ لا بدّ من فهم تفاعل هذا التطوّر مع الديانتين اليهوديّة والإسلاميّة، ومن ذلك مثلًا إحالات القدّيس توما الأكويني إلى ابن سينا. إنّ الديانات لم تكن يومًا وحدات مكتفية بذاتها، أكان ذلك أثناء عمليّة الوحي أو بعده.

إنّ الجدل بين الموقفين المسمّيَين غالبًا بالأصوليّة وضدّها، والذي يتمثّل بقضيّة الدلالة الإبيستمولوجيّة للتراث الذي ينتمي إليه الفرد، يؤدّي دورًا أساسيًّا في النقاشات بين الأفراد المنتمين إلى تراثات دينيّة مختلفة. فهل هناك مبادئ كونيّة مسبقة، لا بدّ لأيّ ادّعاء معرفيّ أن يتّكئ عليها؟ أم أنّ هذه المبادئ جزءٌ لا يتجزّأ من نظرة هؤلاء الذين يقومون بهذه الادّعاءات، وهي بالتالي متعلّقة بخلفيّتهم الدينيّة وبسواها من العوامل؟ في الحالة الثانية، لا بدّ من وجود موقف حواريّ تعدُّدي يأخذ بجدّيّة هذه الاختلافات بعين الاعتبار في مقاربته مسألة الحقيقة، لكي يتمكّن أيُّ تفكير مشترك من أن يُحرز خطوات إلى الأمام.

إنّ مفهوم الوحي في الدين المسيحيّ هو مفهوم متعدّد الأشكال ومتضمّن لظواهر مختلفة، منها الكلمات والأعمال والعلامات. كذلك هو مصطلح علائقيّ يمثّل شبكة من الظروف والمضامين والمتلقّين والتأثيرات، بالإضافة إلى صاحب الوحي. لذلك، من غير الممكن أن يُفهم بالاستناد إلى وجه واحد من هذه الأوجه المختلفة. إنّ المعادلة التالية يمكن أن تساعدنا في تحليل الوحي تحليلًا ارتجاعيًّا:

إنّ صاحب الوحي [أ] يكشف خلال السياق [ب] المضمونَ [ج] للمتلقّي [هـ] وذلك بهدف إحراز النتيجة [و]

هذه الأحرف يمكن استبدالها بعناصر واقعيّة من التوراة. فبالنسبة إلى صاحب الوحي، يُمكن القول إنّ الوحي غالبًا ما يتّخذ شكل التعرّف الذاتيّ، كما في سفر الخروج على سبيل المثال. أمّا السياق فيمكن أن يمثّل مجموعةً من الظروف، من ضمنها مثلًا تلك التي يكون فيها المتلقّي يستمع إلى الموسيقى أو يقرأ من النصّ المقدّس أو يصلّي. إنّ علامات الوحي السابقة يُمكن أن تصبح وسائطَ لتجربةِ كَشْفٍ جديدة. المضمون غالبًا ما يتضمّن، في الدرجة الأولى، إمّا تعرُّفًا ذاتيًّا أو تعليماتٍ للانتقال إلى الفعل، في حين لا يكون للفرضيّات العقائديّة إلّا دلالة ثانويّة. في ما يتعلّق بالمتلقّي، فإنّه من المهمّ الإشارة إلى أنّ الوحي لا يكون أبدًا وحيًا مجرّدًا، وإنّما هناك دائمًا متلقّون معروفون. إنّ العناية الدائمة بذكر الظروف المرتبطة بعمليّة الوحي دليلٌ على أهميّة هذه الظروف. أمّا النتيجة فعادةً ما تُقدَّم بصورة حاسمة لا تقبل الشكّ على أنّها الدعوة البَيِّنة أو الإيمان الذي لا بديل عنه. هذا الوضوح يصبح نقطة انطلاقٍ للغموض الذي ينشأ لاحقًا ولتعدّد التأويلات. فإذا لم يكن للوحي هذا التأثير وإذا لم يُعترف به على أنّه وحي، فإنّه لا يُمكن أن يكون وحيًا طالما أنّه لم يحقّق هدفه المرجوّ. إنّ “الوحي” بهذا المعنى هو “الكلمة الفاعلة”.

إنّ إحدى الصعوبات التي تواجه العلاقات المسيحيّة-اليهوديّة كامنةٌ في أنّ العهد الجديد يتضمّن استحواذات من التوراة اليهوديّة: فالعهد القديم يفسَّر من وجهةِ نظرِ الإيمان بظهور الله النهائيّ في نهاية العالم والمتمثّل في قيامة المسيح. في الواقع، يُعدّ هذا الادّعاء نقطة الانطلاق لتفسير التاريخ برمّته، الذي يصبح بدوره مسارًا في كشف الله عن ذاته. بهذا المعنى لم يشكّل الكتاب تاريخيًّا إلّا مرجعيّة ثانويّة، مثلًا عندما استُعمل للتبشير أو للاعتناء الرعويّ. إنّ القارئ الفَرْد الذي يلجأ إلى الكتاب كمنبع أساس للوحي هو ظاهرة حديثة.

إحدى القضايا الأساسيّة ضمن النقاشات التي تدور حول قضيّة الوحي بين الجماعات المسيحيّة أو بين المسيحيّين وغير المسيحيّين، تتعلّق بكيفيّة التأكُّد من صحّة شاهد الوحي. أمّا حلُّ هذه القضيّة فكامنٌ في تأسيس سلسلة من الشهود الذين تناقلوا هذه الدعوة الرسوليّة، بالإضافة إلى جعل النصّ المقدّس نصًّا مفتوحًا. هذه العمليّة تقود في نهايتها إلى عقيدة الثالوث، التي تؤكّد على الهويّة الأنطولوجيّة لعمليّة الوحي ومؤلّفه ومضمونه.

في القرون الوسطى تأثّرَ الجدلُ بين اللاهوتيّين المسيحيّين تأثُّرًا كبيرًا بالاحتكاك بالعلماء المسلمين واليهود. فنحن نجد في الكتابات المسيحيّة المرجعيّة، ومنها مثلًا اقتباسات القدّيس توما الأكويني من علماء آخرين كابن سينا، حصّةً كبيرة من “المفاهيم المستوردة” المجهولة والتي مصدرها الفكر الإسلاميّ واليهوديّ. وقد تركّز هذا الجدل حول إمكان أو حتّى ضرورة اللجوء إلى العقل في تفسير حقائق الوحي. فالعقل يُنظر إليه ضمن هذا الجدل إمّا كعامل أساسيّ في معرفة مضمون الوحي بذاته، أو كمجرّد تفسير لوحْيٍ معيّن، بما أنّ العقل متعلّق دائمًا بمُعطًى مُسبَق.

لقد أعادت الفلسفة الحديثة للوحي اعتباره كمفهوم فلسفيّ، وذلك وبعد أن شكّك فلاسفةُ الأنوار بكلّ ادّعاءات الوحي فجعلوا من العقل المعيار الأوّل لقياس الحقيقة وقَصَروا الوحي على دوره التعليميّ. هيغل، مثلًا، فهم الوحي على أنّه تواصل الذات الإلهيّة مع نفسها ضمن جدليّة تاريخ الفكر. وقد تبنّى لاهوتيّو القرن العشرين هذا الخطّ الفكريّ إذ جعلوا من الوحي “المفهوم المفتاح” للّاهوت المسيحيّ الحديث.

اليوم، وكنتيجة للنقاش الدائر حول أُسُس المعرفة البشريّة، تنخرط مواقف دينيّة وفلسفيّة متعدّدة في ما يسمَّى بـ”حواريّة التعدُّد”، وقد تترتّب على ذلك نتيجتان: الأولى هي النسبيّة التي تعتبر أنّ كلّ حقيقة متعلّقة بمجموعة البشر التي تؤكّد عليها. أمّا النتيجة الثانية الممكنة فهي موقف “التواضع الإبيستمولوجيّ”، الذي يقوم على الاعتراف بأنّ معرفتنا مرهونة دائمًا بمعطًى ما، تمّت صياغته لأجلنا. في هذه الحالة، لا بدّ لنا من الاعتراف بأنّه من غير الممكن لأيّ دين أن يصبح نهائيًّا، والادّعاء بتفسير الوحي على هذا النطاق الواسع لا يُمكن قصره على تفسير واحد.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ بعض الأطاريح التي سبقت تمثّل وجهة نظر داخليّة للاهوتيين مسيحيين، لا وجهة نظر تاريخيّة. ذلك أنّ إحدى الاستراتيجيّات في الحوار بين الأديان تنطلق من تعريف المفاهيم من وجهة نظر الدين الواحد، ومن ثمّ سؤال معتنقي الأديان الأخرى إلى أيّ حدّ قد يستخدمون المفهوم نفسه. إنّ مفهوم الإيمان كنتيجة من نتائج الوحي له هذا الحضور القويّ في الدين المسيحيّ فقط، في حين أنّ لكلّ من الدين الإسلاميّ والدين اليهوديّ مفاهيم أخرى للإيمان، وهذا ينطبق على الكثير من التقاليد الصوفيّة.

لذلك لا بدّ من أخذ الاختلافات بعين الاعتبار. إذ بخلاف الدين اليهوديّ الذي يملك التوراة والدين الإسلاميّ الذي يملك القرآن، ليس عند الدين المسيحيّ “نسخة ورقيّة” من الوحي. ليس الدين المسيحيّ إذًا دينَ كتابٍ كما هي حال الديانتين الأخريَين، بل هو يتركّز حول صورة إنسان. وعلى الرغم من ذلك، يقوم الإيمان دائمًا على نوع من الوسيط التواصليّ، يتمثّل بالنصّ المقدّس، حتّى وإن كان هذا النصّ يستمدّ معناه الروحيّ من الاعتقاد بأنّ المسيح حاضر فيه. أمّا بالنسبة إلى الإيمان، فإنّ للكلمة اليونانيّة pistis معنى مختلفًا اختلافًا كبيرًا عن كلمة “إيمان” التي تقابلها في العربيّة. فالمسيحيّة تقوم على منطق الوعد أكثر منه على منطق الشريعة، ومفهوم pistis اليونانيّ يُفسَّر على أنّه الجواب على هذا الوعد.

من جهة أخرى، ليس الإيمان في الدين الإسلاميّ أقلّ مركزيّةً منه في الدين المسيحيّ، فأركان الإيمان الأربعة الأخرى لا معنى لها من دون الركن الأوّل، أي شهادتا الإيمان. علاوةً على ذلك، إنّ لوعد الله، الذي نتعرّف إليه من خلال الوحي، موقعًا مركزيًّا في الإيمان في الدين الإسلاميّ. لذلك فالاختلاف بين مفهومي “الإيمان” والـpistis لا يُمكن أن يكون ذا دلالة كبيرة. علاوة على ذلك، إنّ كلمة “أشهد”، وهي أساس شهادة الإيمان في الإسلام، لا تحمل – من حيث اشتقاقها على الأقلّ – المعنى نفسه الذي تحمله كلمة credo اللاتينيّة. وعلى الرغم من ذلك، من الممكن أن نصالح بين هذين الموقفين عبر الإشارة إلى أنّ هذا الاختلاف المفهوميّ، الذي لا بدّ من الاعتراف بوجوده، يصبح نسبيًّا عندما يتركّز النقاش على الله وليس على الديانات المختلفة. ففي كلّ من الديانات التوحيديّة الثلاث، تتركّز هذه المفاهيم حول فكرة الله. وبذلك يصبح هذا النقاش نوعًا من الحوار الحقيقيّ أكثر منه وجهة نظر ضمن دراسات الديانات.

 

 

مفهوم الوحي في الدين الإسلاميّ

في معالجة مفهوم الوحي في الدين الإسلاميّ، يمكن الانطلاق من جوانب خمسة ترجع بمجملها إلى القرآن، وهي كما يلي: أوّلًا، الوحي كتواصل بين الله والبشر؛ ثانيًا، القرآن كأساس للوحي وكرحمة للبشر؛ ثالثًا، طريقة التواصل؛ رابعًا، الوحي كرسالة للبشر جميعًا؛ وخامسًا، الوحي كتأكيد على التوحيد.

أوّلًا: إنّ كلمة “وحي” العربيّة، التي ترد خمس مرّات في القرآن، تمثّل رسالة الله إلى البشر، وهي رسالة قائمة على الإشارات وتستندُ بشكّل خاصّ إلى القرآن على أنّه الكلمة الصادرة عن الله مباشرة. إنّ مفهوم الوحي يركزّ على الله كباعث للوحي. أمّا كلمة “تنزيل” فتشير إلى انتقال الكلمة من الله عبر وُسَطاء. في الآيتين ٩٧ و٩٨ من سورة البقرة (٢)، مثلًا، يُذكَر جبريل على أنّه الرسول الذي أُنزل الوحي من خلاله. والطبريّ يؤكّد ذلك في تفسيره للآية ٥ من سورة النجم (٥٣). والتنزيل هو سلسلة صحيحة من الرواة تحفظ القرآن من التحريف والتعديل. وفق الآية ٩ من سورة الحجر (١٥)، يحفظ الله نفسُه عصمةَ القرآن عن التشويه. وبحسب فخر الدين الرازي، تمثّل الآية ٣ من سورة النجم (٥٣) رفضًا صريحًا للّذين يتّهمون النبيّ محمّد بالكهانة والشعر. وقد رأى محمّد أركون أنّ بِنية القرآن السيميائيّة تضع الوحي في إطار الحدث التواصليّ وبالتالي تشير إلى مصدر الوحي الإلهيّ.

ثانيًا: إنّ فكرة القرآن على أنّه أساس الوحي مرتبطةٌ بمفهومَي “اللوح المحفوظ” و”أمّ الكتاب”. فبحسب الطبريّ، تشير هذه الكلمات إلى مثال سماويّ للكتاب يحفظ القرآن من الفساد. وتشير الآيات ١٦٣-١٦٥ من سورة النساء (٤) إلى القرآن على أنّه تعبير عن رحمة الله وعدله تجاه البشر.

ثالثًا: إنّ تواصل الله مع البشر يمكن أن يحصل فقط عبر الوحي، أو من وراء حجاب، أو بوساطة ملاك. والوحي يُمكن أن يُرسل إلى غير البشر من المخلوقات، كالكون والحيوانات والملائكة. وأحيانًا يُستخدم الوحي بمعنى الإلهام الإلهيّ الذي يتلقّاه بعض البشر الذين ليسوا بأنبياء، مثل أمّ موسى مثلًا. علاوة على ذلك، يمكن للأنبياء أن ينقلوا الوحي إلى غير الأنبياء، كما تشير الآية ١١ من سورة مريم (١٩)، حيث يُذكر أنّ زكريّا أوحى إلى قومه.

رابعًا: إنّ للوحي، بما هو رسالة من الله، طبيعة كونيّة، وهو مع ذلك متعلّق بزمان ومكان معيَّنَين. إنّ مهمّة النبيّ الأساسيّة تتمثّل في نقل رسالة الوحي. والإشارة إلى هذه الرسالة على أنّها كتاب تساهم في ربطها برسائل الوحي السابقة، كما تشير الآية ٤٦ من سورة المائدة (٥)، حيث يشار إلى أنّ المسيح صدَّق ما قبله. هذا يعني أنّه، من وجهة نظر الدين الإسلاميّ، على رسائل الوحي السابقة أن تؤخذ على محمل الجدّ. كذلك، يمكن أن نجد في القرآن إشاراتٍ إلى الحوار بين جماعات دينيّة مختلفة كانت على اطّلاع على ما عند غيرها من الجماعات من نصوصٍ دينيّة. أمّا الدعوات الكثيرة في القرآن إلى تحكيم العقل فتشير إلى أنّ القدرات الفكريّة لمتلقّي القرآن تمثّل جانبًا مهمًّا من الوحي.

خامسًا: إنّ مفهوم الوحي كتأكيد على التوحيد يشكّل أرضيّة مشتركة بين الديانات اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة. ويُعبّر القرآن عن ذلك تعبيرًا واضحًا في عبارة “كلمة سواء” (الآية ٦٤ من سورة آل عمران) التي تشير إلى كلمة مشتركة (أو صحيحة) توافق عليه الديانات كلّها، ويفسّرها الطبريّ بأنّها الإيمانُ المشترك في وحدانيّة الله. يتّخذ بعضُ المفسّرين المعاصرين هذه العبارة كنطقة انطلاق مشتركة لهرمينوطيقا بينَ-دينيّة.

في الخلاصة، إنّ مفهوم الوحي في الإسلام هو أيضًا مفهوم مفتاح، إذ يمثّل تواصلًا مباشرًا بين الله والإنسان وهُدًى إلهيًّا للبشر الضالّين، وهو بذلك تعبيرٌ عن الرحمة تجاه البشر. كذلك للوحي في الإسلام طابع جامع، فهو يؤكّد على إنسانيّتنا المشتركة وكرامتنا كمتلقّين لكلمة الله.

أمّا مفهوم “العهد” في الإسلام فهو يختلف عن المفهوم نفسه في الدين اليهوديّ، إذ يشكّل بالأحرى نوعًا من “العقد” وهو لا يتضمّن أيّ إشارة إلى شعب إسرائيل. في المقابل، يتضمّن هذا العقد وعدًا بالخلاص يكون جزاءً للإيمان ولعمل الصالحات وذلك ضمن تفاهم متبادل بين الله والبشر. الإيمان في الإسلام مرتبط إذًا بتقدير قيمة هذا الوعد.

 

ملاحظات ختاميّة: الوحي بين الديانات التوحيديّة الثلاث

إذا أردنا مناقشة مفهوم الوحي في الديانات التوحيديّة الثلاث معًا يُمكن أن ننطلق من مقولة اللاهوتيّ الألمانيّ هانس كونغ (Hans Küng) بأنّه “لا سلام بين الأمم من دون سلام بين الديانات. ولا سلام بين الديانات من دون حوار بين الديانات. ولا حوار بين الديانات من دون البحث في أساسات الديانات.” إنّ هذا البحث يكون أوّلاً في المفاهيم المؤسِّسة لكلّ دين، ومن ثمّ في علاقة هذه المفاهيم وتحاوُرِها مع مفاهيم الديانات الأخرى.

في اللغات المختلفة لنصوص الديانات التوحيديّة الثلاث، تشير كلمة “كلمة” إلى ما هو أبعد من معناها الحرفيّ، وهذه الدلالات الإضافيّة تختلف باختلاف اللغة المشار إليها. هذا يدلّ على أنّ البحث في المفاهيم ليس مجرّد لعبة لغويّة، لكنّه يغوص على أفكار أكثر عمقًا.

ففي هذه الفكرة التي تجعل من كلمةٍ ما أكثرَ من مجرّد “كلمة”، هناك علاقة متوتّرة بين الكلمة الأبديّة والتفاصيل التاريخيّة للسياق الذي أُنزلت فيه. لهذا التوتّر طابع راديكاليّ في الدين المسيحيّ بشكلٍ خاصّ، كما يظهر في مستهلّ إنجيل يوحنّا، حيث يُشار إلى أنّ الكلمة الأبديّة نفسها قد تجسّدت في إنسان محدّد وفي سياق تاريخيّ خاصّ (فهو ليس مجرّد سياق ذي تأثير سياسيّ أو ثقافيّ فحسب).

هذا التوتّر بين كونيّة الرسالة وخصوصيّتها موجود في كلّ نصّ يسعى إلى التوجّه إلى جمهور أبعد من جمهوره المباشر. ففي التمييز بين الرسالة الكونيّة لنصٍّ ما والتفاصيل المتغيّرة، يصبح لكلٍّ من النصّ والسياق دور أساسيّ، وهو ما يُمكن الاستدلال عليه من خلال عِلم أسباب النزول في التفسير القرآنيّ.

من جهة أخرى، عندما ينظر باحث في علم الأديان إلى التاريخ اليهوديّ نظرةً من الخارج، يُمكنه أن يصفه كتاريخِ تَشَكُّلِ اليهود كأمّة. إذ بخلاف المسيحيّة والإسلام، ليس الدين اليهوديّ دينَ دعوة بل جماعةٌ تطوّرت تاريخيًّا وتركّزت في إيمانها بشكلٍ كبير على تاريخها نفسه، وتحديدًا على قصّة الخروج. أمّا الله فيُنظر إليه على أنّه الطاقة التي تحقّق هذا التاريخ في العالم.

أمّا في ما يتعلّق بتأثير لاهوت التحرير (liberation theology) في الدين الإسلاميّ، فلا بدّ من الانتباه إلى أنّ لاهوت التحرير شكّل بالأحرى ظاهرةً هامشيّة في البلدان التي انطلق فيها، ذلك أنّ دعاته الأساسيّين كانوا ذا خلفيّة أوروبيّة، وبالتالي كانت أفكارهم غريبة عن هذه البلدان. وعلى الرغم من ذلك، أسهمت هذه الظاهرة بالإضاءة على موضوعات مثل التحرّر والعدالة الاجتماعيّة وإعطائها تأثيرًا أبعد من سياقها الأصليّ. من الأمثلة على ذلك كتابات سيّد قطب، التي كان لها بدورها تأثير كبير على الفكر الأصوليّ في الإسلام.

أخيرًا يُمكن القول إنّ الفكرة المعاصرة التي ترى في الوحي ظاهرة تواصليّة بدل كونه مجرّد ظاهرة تلقينيّة تطرح مشكلات جديدة، هذا على الرغم من أنّها تمثّل تطوّرًا إيجابيًّا. ذلك أنّ التواصل مفهومٌ فرديّ يطرح أسئلة حول مسألة المرجعيّة: فمن يملك القدرة على إطلاق الأحكام حول صحّة الوحي ومعناه؟ هذه القضيّة لا يمكن معالجتها من خلال نموذج التواصل وحده. ففي الإسلام مثلًا، عادةً ما يُعتقد أنّ المرجعيّة يمتلكها أصحاب العِلم، وبذلك ترتبط القدرة على التفسير بالمعرفة. هذا يتباين مع التقليد الكاثوليكيّ حيث تقتصر المرجعيّة على هَرَميّة تقليديّة واحدة تنتقل عبرها العقيدةُ إلى الأجيال الجديدة. لكنّه يقارب الفهم البروتستانتيّ الذي يقول بحقّ جميع المؤمنين بالكهنوت. لكنّ المرجعيّة أو التلقين، من جهة، والتواصل من جهة أخرى، لا يستثنيان واحدُهما الآخر في فهمنا للوحي، بل في الإمكان القول بوجود كلا الجانبين معًا.

في الختام، نستخلص أنّ الكونيّة لا تقوم على وحدة العقيدة المكتملة، وإنّما على التعبير تعبيرًا سلميًّا عن الاختلافات وذلك ضمن حوار الواحد مع الآخر.