Navigation

مفهوم السلام في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام

مفهوم السلام في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام

 

مفهوم السلام في الديانة اليهوديّة

 

ثمّة شيء من التوتّر في داخل الهويّة الدينيّة لأيّ شخصٍ يهوديّ يعيش في إسرائيل ويُعنى في الوقت نفسه بقضيّة السلام بين إسرائيل والفلسطينيّين، وذلك نتيجةً للتماهي الدينيّ مع جماعة يختلف مشروعُها السياسيّ اختلافًا حادًّا مع ما بُذل من جهود من أجل إحلال السلام. في الوقت نفسه، هناك فارق بين الفلسفة العلمانيّة للسلام كما تتمظهر، على سبيل المثال، في اتّفاقيّة أوسلو، وبين الفلسفة الدينيّة للسلام، بحيث يُطرح السؤال إذا كان في إمكان شخص متديّن أن يرى في مبادئ أوسلو مشروعًا سلميًّا على الإطلاق.

نقرأ في المشناه أنّه في حال النزاع على ملكيّة قطعةٍ من الثياب، قد يشكّل اقتطاعُ القطعة نصفَين حلًّا للمشكلة، لكن في حال دارَ الخلافُ حول مخطوطة للتوراة أو كما في قصّة الملك سليمان والمرأتين اللتين تتنازعان على ملكيّة طفل، يُمكن لهذا الحلّ أن يكون قاتلًا. لذلك، إنّ أوّل سؤال يجب الإجابة عنه هو إذا كان السلام يتضمّن اقتسامًا أو يتطلّب المحافظة على الكلّيّة بسبب قدسيّة الشيء أو المكان المتنازَع عليه.

إنّ الفكرة الأساسيّة التي يجب التركيز عليها في هذا السياق هي فكرة وحدة الضدّين المتقابِلَين (كما هو معبّر عنها مثالًا لا حصرًا في قول إشْعِياء ١١ : ٦: “فيسكن الذئب مع الحمل”)، مثلما أنّ وحدانيّةَ الله مكمِّلةٌ لتعدُّدِ الخليقة بدل أن تكون مناقِضةً لها ( يمكن أن يُراجَعَ حزقيال ٣٧ : ١٥-٢٨ حول ذلك). وهذه نقطةٌ مركزيّة في فكرة السلام في اللغة العبريّة، وهي فكرة تتعارض تعارُضًا أساسيًّا مع أيّ فكرة للسلام قائمة على مفهوم الأرضيّة المشتركة. إذ هي تفرض بالأحرى الحضورَ الدائم للمتناقضات، وهو حضور لا يمكن إلغاؤه، الأمر الذي يمثّل نوعًا من المفارقة التي تحمل في أساسها طابعًا نبوئيًّا (يُقارَن التلمود البابليّ، إروفين، ١٣ب). فالله الواحد هو خالقُ المتناقضاتِ كلِّها، وحتّى تلك المتناقضاتُ المتنافرة هي واحدٌ في نظر الله (يُقارَن يهوذا لوف بن بتسلئيل، درخ حئيم [طريق الحياة]). هكذا تفرِضُ فكرةُ السلام في الديانة اليهوديّة صونًا لتعدّديّة التناقض كشرطٍ لفَهْم الوحدة. وهذا يحيلنا على المستوى العَمَليّ إلى أن نتساءل عمّا إذا كان يجب حَمْل اليمين المتديّن في إسرائيل على اعتناق مفهوم علمانيّ لا يؤمنون به، أم أنّه يجب بالأحرى إقناعُهم بترجمة مفهومهم الخاصّ للسلام إلى واقع سياسيّ.

إنّ فكرة وحدة المتناقضات هي أكثر راديكاليّة بكثير من فكرة التعدّديّة، طالما أنّ الوحدة السلميّة التي تجمع أشياءَ العالم كلَّها تتضّمن وجهاتِ النظرِ المختلفة كافّة، حتّى تلك اللاسلميّة منها، في حين أنّ التعدّدية تستثني الجماعاتِ التي لا تتمسّك بمبادئَ تعدُّديّة وتسامُحيّة. من جهة أخرى، وبما أنّ للعلمانيّة والتعدّديّة والحلولِ الوُسطى حضورًا أيضًا في هذا العالم، فهي بدورها يُمكن أن يتضمّنها هذا الإطار. وبالنسبة إلى بعض الجماعات، تشكّل الكلّيّةُ التي لا تقبل التجزئة الخيارَ المقبول الوحيد المتجذّر تجذُّرًا عميقًا في رؤيتها الخاصّة إلى العالم. لذلك، فإنّ مفهوم السلام المُشار إليه أعلاه يمثّل تحدّيًا يدفعنا إلى قبول هذه الجماعات، حتّى وإن كانت الكلّيّة التي تطالب بها تتناقضُ تناقضًا أساسيًّا ورؤيتَنَا الخاصّة. بالتالي، فإنّ هذا المفهوم مُتقبِّلٌ للآخَرِيّة تقبُّلًا راديكاليًّا، لا يُمكن أن تحقّقَه رؤيةٌ تعدُّديّةٌ قائمةٌ على اجتراح الحلول الوُسطى.

ولئن يمثّل ما سَلَف تحليلًا نظريًّا لمعنى السلام في الفكر اليهوديّ، وهو تحليلٌ لاهوتيّ أكثر ممّا هو سياسيّ، فإنّه ليس من الممكن نزعُ هذه الفكرة من إطار النزاع الدائر حاليًّا. وقد نوقشت مثل هذه الأفكار في مجالسَ “غير سياسيّة” وساهمت في الواقع بتيسير النقاشات بين الحاخامات اليمينيّين والقيادات الروحيّة الفلسطينيّة.

 

مفهوم السلام في الديانة المسيحيّة

يُستخدَم مفهوم السلام في الكتاب المقدّس إمّا بمعنًى سلبيّ عندما يُشار به إلى انتفاء الحرب، أو بمعنى إيجابيّ عندما يصف بشرًا يعيشون بملء إرادتهم مع بعضهم البعض، وهو وضعٌ غير متوفّر دائمًا في الواقع. يصوَّر السلام على أنّه نعمة من الله، وذلك من خلال طُرُق ثلاث: أوّلًا، أن يحقِّق اللهُ السلامَ عبر فرض نظامٍ عادل وإحلالِه محلَّ الفوضى؛ ثانيًا، أن يتغلّب اللهُ على العنف ويحقّقَ السلامَ عبر تدخّله؛ وثالثًا، أن يتغلّب الله على العنف عن طريق الحبّ والمصالحة. إذ إنّ اللهَ يكسرُ دورةَ العنف بامتناعه عن الردّ ردًّا عُنفيًّا على خطايا البشر واختياره العذاب لنفسه بشخص يسوع المسيح. تشكّل هذه الصورة قاعدةَ المثالِ الأخلاقيّ لموقف الذاتِ المتجرّدة في علاقتها بالآخرين والتزامها بالعدل والمحبّة العالميَّين، وذلك يشكّل بالطبع مجرّد مثال غالبًا ما يقصّر المسيحيّون عن تحقيقه في الواقع.

يُنظَر تاريخيًّا إلى الدولة العلمانيّة على أنّها كيانٌ أُسّس للمحافظة على السلام السلبيّ (أي انتفاء الحرب). وهكذا يصير لكلٍّ من الكنيسة والدولة أهدافُهُما الخاصّة والمنفصلة. إنّ فكرةَ “السلام العادل” تمثّل، إذًا، سِلْمًا شَرعيًّا، لا مطلَقًا، حيث يتمّ الحدّ من العنف، لكن لا يتمّ بذلك إقصاؤه بالكامل. إلّا أنّ بعض الجماعات الأقلّويّة ترفض أشكال العنف كافّة، بما فيها عنفُ الدولة، الأمرُ الذي يؤدّي بهذه الجماعات إلى رفض الخدمة العسكريّة، وفي بعض الحالات إلى الاعتزال عن المجتمع الواسع.

في العصور الحديثة، يمكننا الكلام على تحوّلٍ مفهوميّ في الفكر المسيحيّ حول الحرب والسّلم. وقد تمثَّلَ هذا التحوّل في الانتقال من نظريّة “الحرب العادلة” إلى إطارٍ مفهوميّ يتركّز حول خصائص “السلام العادل”. ذلك أنّ الفكرة التي ترى في “الحرب العادلة” استكمالًا للسياسة بوسائلَ أُخرى، قد تمّ استبدالها بفكرة بديلة ترى في الحرب إخفاقًا للسياسة. إنّ مفهوم “الحرب العادلة”، الذي صاغه توما الأكويني معتمِدًا على أفكار أوغسطينوس وشيشرون، كان يهدف في الأساس إلى الحدّ من الحرب والتجنيب من العنف المتطّرف. وقد زيدت في إسبانيا أواخرَ العصور الوسطى معاييرُ إضافيّة إلى تعريف “الحرب العادلة” (من مثل فكرة التناسبيّة وفكرة اعتبار الحرب خيارًا أخيرًا)، وذلك بهدف تنظيم التعامل مع السكّان الأصليّين في أميركا الجنوبيّة. ويذهب الفكر الحديث أبعد من ذلك، فيشدّد على أنّ السِّلم وحده يُمكن أن يكون عادلًا، في حين أنّ الحرب تمثّل في أحسن الأحوال “أهونَ الشرَّين”.  يساهم ذلك في تحوّل مفهوميّ يحثُّ الاعتبارات السياسيّة على الانطلاق من فكرة السلام. ويشكّل ميثاق الأمم المتّحدة التعبيرَ الأمثل عن ذلك، خاصّة النقطتان ٣-٤ من المادّة ٢. ضمن هذا الإطار يصبح واجبًا على العلاقات الدوليّة أن تتركّز في الوضع المثاليّ على تحقيق السلام.

يُمكن فهم السلام على مستويات مختلفة، منها السلامُ بين الله والبشر، والسلامُ الداخليّ الفرديّ، وسلامُ الأفراد فيما بينهم أو الجماعات فيما بينها. وإنّه لمن المثير للاهتمام البحثُ عن العلاقة بين هذه المستويات المختلفة وإلى أيّ حدّ يُمكن الإفادة منها في الخطابات الحديثة، إذ غالبًا ما كان يُنظر إلى هذه المستويات منفصلةً واحدُها عن الآخر. من الأمثلة المتطرّفة في هذا السياق يُمكن ذكر ماكس شيلَرْ الذي رأى في علماء الأخلاق مُرشِدين تكمن مهمَّتُهم في أن يدلّوا الناس إلى طريق الحقّ من دون أن يكونوا أنفسُهم مجبَرين على اتّباع هذا الطريق. ضمن هذا الإطار، كان السلام السلبيّ أقصى ما يُمكن أن نصبو إلى تحقيقه. لكن ثمّة في المقابل تطوّرات حديثة ضمن علم الأخلاق تُركِّز على القناعة (والمقصود هنا بالأحرى الكلمة الألمانيّة Zufriedenheit، التي تتضّمن كلمة Frieden، أي السلام) وعلى شروط العيش السلميّ المشترك، ومن ضمنها السيطرة على النفس، وهو ما يعيد الفضائلَ الفرديّة إلى إطار الخطاب الأخلاقيّ ويجعل التركيزَ مجدَّدًا على السلام الإيجابيّ. هنا يُمكن للرؤى الدينيّة أن تؤدّي دورًا، حتّى وإن كان تديُّنُ المرء لا يشكّل بالضرورة شرطًا لتمكّنه من السيطرة على نفسه.

إنّ العلاقة الوطيدة بين السِّلم والنظام العامّ يُمكن أن تبدو للبعض ذات تأثير قمعيّ، كما هو معبَّر عنه في قصيدة “قُلْ لا للسلام” لبراين رِن: “قُلْ ’لا‘ للسلام / إذا كان ما يقصدونه بالسلام / تعاسةَ الجوع الصامتة / […] آمالَ المقموعين التي لم تولد بعد”. وعلى الرغم من ذلك، حتّى المحافظة على السلام بمعناه السلبيّ تتطلّب توفُّرَ شيءٍ من النظام.

 

مفهوم السلام في الديانة الإسلاميّة

في مقاربة مفهوم السلام في الديانة الإسلاميّة يُمكن الانطلاق من بعض الآيات القرآنيّة التي يؤدّي هذا المفهوم دورًا فيها. على سبيل المثال، جاء في الآية ١٠ من سورة الحجرات (٤٩): “إنّما المؤمنون إخوةٌ فأَصلحوا بين أخويْكم واتّقوا الله لعلّكم تُرحمون”، وفي ذلك تشديد على مركزيّة العلاقات السلميّة بين المؤمنين. كذلك جاء في الآية ١٠٣ من سورة آل عمران (٣) والآية ٦٣ من سورة الأنفال (٨) أنّ الله يؤلّف بين قلوب المؤمنين. إنّ خلفيّة هذه الآيات هي الحروب الطويلة بين الأَوْس والخَزْرَج، وهما القبيلتان اللتان اجتمعتا لاحقًا في الأمّة الإسلاميّة، وبذلك يُمكن فَهْمُ الآيتين كشجبٍ للعصبيّة القبَليّة. وقد قرأ القرطبيّ هاتين الآيتين كتحذير من الفتنة ضمن جماعة المؤمنين. فالآية ٦٣ من سورة الأنفال تشدّد على أنّ هذا السلم ما كان لِيتمَّ إلّا من خلال الله. أمّا مجاهد فيرى في هاتين الآيتين توصيةً بتحقيق السلام ويعتبر “أخْذَ المؤمن بِيَدِ صاحبِه” باعثًا على مغفرة خطاياهما. إنّ الآية ٨ من سورة الأنفال التي يعتبرها الطبريّ صالحةً لكلّ زمان ومكان، تضيف أنّ المَيل إلى السلام يتطلّب المعامَلَة بالمِثْل وأنّ الدعوة إلى السِّلم يجب أن تلقى قبولًا لدى الآخَر.

تحدّد الآيات ٧-٩ من سورة المُمتَحِنة (٦٠) نموذجًا مفهوميًّا لتحقيق السلام وتوضح الشروط التي تُسوِّغ الحرب العادلة وتلك التي تنظّم العيش المشترك السلميّ: “عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عادَيتُم منهم مودّة والله قدير والله غفورٌ رحيم (٧) لا ينهاكم الله عن الذين لم يُقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تَبَرّوهُم وتُقْسِطوا إليهم إنّ الله يحبّ المُقْسِطين (٨) إنّما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهَروا على إخراجكم أن تَوَلَّوْهم ومن يتوَلَّهُم فأولئك هم الظالمون (٩)”. إنّه لأمرٌ شائع أن يُنظر إلى هذه الآيات على أنّها تتيح المعاملة الطيّبة والسلميّة تجاه غير المسلمين الذين لا يعتدون على جماعة المسلمين. أمّا الآية ١٣ من سورة الحجرات (٤٩) القائلة: (“يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذَكَرٍ وأنثى وجعلناكم شُعوبًا وقبائلَ لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليمٌ خبير”)، فغالبًا ما يتمّ ذكرها كتأكيدٍ على التعدّديّة التي تتضمّن اعترافًا بالاختلافات من دون الحُكم عليها.

وفقًا لتيّار فكريّ حديث يمثّله بصورةٍ خاصّة ج. سعيد، يشكّل الصبر والمسامحة المكوّنات الأساسيّة للسلام. فموقف المسالَمة، بحسب سعيد، يُمكن أن يُستمدّ من حكاية قايين وهابيل، إذ إنّ الله قَبِل هابيل بسبب موقفه المُسالِم. على المسلمين إذًا ألّا يَدْعوا إلى القتل أو العنف، وعليهم، إلى جانب موقفهم المسالم، ألّا يتخلّوا عن إيمانهم بسبب الخوف أو العنف.

وعلى الرغم من كون القرآن يتضمّن أيضًا آياتٍ تحمل رسالةً مختلفة تمامًا، بما فيها الدعوة إلى قتل الكفّار، فلا بدّ لهذه الآيات من أن تُقرأ في السياق التاريخيّ الذي أُنزلت فيه، وهو سياق مرتبط بالحرب. إنّ الآية ٥ من سورة التوبة (٩)، المعروفة بآية السيف، تتضمّن دعوةً إلى العنف، لكنّ هذه الآية يجب أن تُقرأ في ارتباطها بالآيات ٧-٩ من سورة الممتحنة، حيث يُحدَّد شرطُ اللجوء إلى العنف بتعدّي غير المسلمين أوّلًا. كذلك فإنّ الآية ٦ من سورة التوبة تشير إلى استنسابيّة الآية السابقة، ذلك أنّها توصي بحماية “المشركين” الذين يطلبون ذلك. ولئن كان بعض الجهاديّين يفسّر الآية ٥ من سورة التوبة على أنّها تلغي الآية ٨ من سورة الممتحنة، فإنّ موقف أمّهات التفاسير مختلف، كتفسير الطبريّ مثلًا. وفي بعض الأحيان، استُخدمت هذه الحجج لتجنيد المجاهدين، لا سيّما الشباب الذين يسهل تطويعهم بسبب فقدانهم للعلم. لقد أُدخلت فكرة الجهاد بمعنى الحرب الهجوميّة باسم الدين على بعض يد القضاة كالشافعي، وهي فكرة لا صياغة مفهوميّةً لها في القرآن أو في الحديث الشريف.

 

ملاحظات ختاميّة 

لا بدّ لكلّ باحث ينوي معالجة مفهوم السلام من أن يأخذ بعين الاعتبار العلاقةَ بين الخطابات الدينيّة والسياسيّة حول هذا المفهوم. علاوةً على ذلك، لا يُمكن فهم مفهوم السلام من دون نقيضه، ولذلك لا بدّ من استحضار هذا النقيض في الكلام على فكرة السلام نفسها. فالحديث عن السلام في الإسلام لا بدّ من أن يتطرّق أيضًا لمفهوم “الجهاد”. كذلك لا بدّ من قرْنِ النظريّة ببُعدٍ عَمَليّ يعبّد الطريق أمام عمليّة تحقيق السلام بين معتنقي الديانات اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة، وذلك من خلال شرح السياقات المفيدة في ارتباطها بهذه الديانات.

تحمل فكرةُ وحدة المتناقضات التي تطرّقنا إليها في كلامنا على مفهوم السلام في الفكر اليهوديّ عنصرًا تصوُّفيًّا: إذ إنّ ملاحظةَ المتناقضات المتصارعة يُظهِر وجودَ شيءٍ متسامٍ يتجاوز هذه الاختلافات ويجعل بالتالي تعايُشَها المشترك ممكنًا. وهذا سبب إضافيّ في التركيز على الجانب العَمَليّ لتحقيق السلام والقائم على تعريفٍ لاهوتيّ يأخذ على محمل الجدّ فكرة تصارُع المتناقضات.

لقد ميّز اللاهوتيّ والتر بروغيمان (Brueggeman) بين مسارَين في العهد القديم: مسار يتركّز حول التحرُّر والتحوّل ومسار آخر يتركّز حول الثبات والديمومة. لإنّ أغلب الإشارات إلى مفهوم الشالوم (أي السلام) نعثر عليها ضمن المسار الثاني، ولذلك يبدو أنّ هذا المفهوم مرتبطٌ ببِنية هَرَميّة وبنظامٍ ما، أكثر من كونه تعبيرًا عن تحوّل راديكاليّ. مع ذلك، يُمكننا أن ننظر إلى “ذُرى” الفكر التوراتيّ على أنّها تلك المواضع التي يتقاطع فيها هذان المساران، وهو ما يعيدنا مجدّدًا إلى فكرة السلام على أنّها توحيد للمتناقضات.

ومن المشروع أن نتساءل عمّا إذا كانت لهذه الرؤية الروحانيّة إلى السلام قدرةٌ عَمَليّة على جذب الأكثريّة، وما إذا كان ضروريًّا إدخال عنصر جديد إلى النظام التعليميّ يكون هدفُه تنشئةَ جيل جديد ضمن هذا الإطار الفكريّ. ففي السياق اليهوديّ، لا يلتقي الدين مع الروحانيّة بشكلٍ بديهيّ، وذلك لأنّ الصورة المهيمنة للدين اليهوديّ تعرّفه على أنّه إتمام عَمَليّ للوصايا. ولذلك لا تثير الروحانيّةُ حفيظةَ الناس الميّالين إلى العلمانيّة كما هي الحال في المجتمعات التي تعرِّف الدين تعريفًا أكثر روحانيّةً. عِلاوةً على ذلك، إنّ البحث عن فرص الالتقاء على مستوى عميق يصبح في المجتمعات المنقسمة كبيرًا جدًّا، فيكون للتفاعل اللاسياسيّ قدرةُ جذبٍ أكبر بكثير من الواقعيّة السياسيّة، التي لم تؤدِّ في هذا المضمار دورًا فعّالًا حتّى الآن. لكن، مع ذلك، علينا أن نتنبّه دائمًا إلى أنّ مثل هذا “الالتقاء” يصبح صعبًا بالنسبة إلى الناس الذين يعيشون في حياتهم اليوميّة تجربةً قمعيّة.

من القضايا الأخرى المرتبطة بهذا المفهوم قضيّةُ السلام داخل العائلات وارتباطُها بالسِّلم السياسيّ في إطاره الواسع. فاللغة العبريّة تستخدم الكلمة نفسَها للتعبير عن نوعَي السلام كليهما. ويشكّل السلام ضمن العائلة الواحدة عنصرًا أساسيًّا لتحقيق السلام ضمن الجماعة. كذلك يولي القرآن أهميّة كبيرة لعمليّة السلام في السياق العائليّ.

ثمّة ثلاث طُرق ممكنة للحدّ من سعي الأصوليّين إلى فرض رؤيتهم للعالم بكليّتها: أوّلًا، أن يحدّ طرفا الصراع واحدُهما الآخر (وهو خيار لا يندرج في الفهم اليهوديّ للسلام، حتّى إذا تمّ حلُّ الصراع عبر تسويةٍ ما)؛ ثانيًا، أن يكون هناك قيود تفسيريّة في التراث النصّيّ؛ وثالثًا، التجربة المباشرة والذاتيّة لأهميّة الكرامة الإنسانيّة.

إنّ استخدام كلمة شالوم المستمدَّة من اللغة العبريّة القديمة لنَقْلِ مفهوم السلام الحديث ليس مُرضيًا. لذلك فإنّه من الجدير التساؤل عمّا إذا كان لهذا الاختلاف أيّة علاقة بالازدواجيّة بين السلام الإيجابيّ والسلام السلبيّ التي أشرنا إليها في كلامنا على مفهوم السلام في الديانة المسيحيّة. بالإضافة إلى ذلك، من الممكن التساؤل عمّا إذا كان ممكنًا تحقيق السلام بمعناه الإيجابيّ القويّ من دون تحقيق السلام بمعناه السلبيّ. ومن المواضيع المرتبطة بالسلام قضيةُ تعامُلِ المؤمنين الحديثين مع الإرث التاريخيّ العنيف للديانات المختلفة التي ينتمون إليها.

أخيرًا، تمكن مناقشة تأثير فصل الدين عن الدولة وما إذا كان لهذا الفصل دورٌ في التوصّل إلى السلام. هنا لا بدّ من أن يؤخذ بعين الاعتبار الفرقُ بين فصلٍ قاطع بين الدين والدولة وفصلٍ يقتصر هدفُه على التمييز بين الدين والدولة أو بين الدين ومجالات أخرى من الحياة البشريّة كالاقتصاد والعلوم والنظام العائليّ.