Navigation

مفهوم النصّ المقدّس والعقيدة في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام

 

مفهوم النصّ المقدّس في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام

مفهوم النصّ المقدّس في الديانة اليهوديّة

يَعتبر التراثُ اليهوديُّ التوراةَ العبريّة كاملةً في ذاتها، وهو موقف يختلف عن موقف المسيحيّة تجاه نصّها المقدّس. ففي الديانة اليهوديّة يُنظر إلى التوراة على أنّها مصدرُ كلّ شيء، فهي “أصلُ الأشياء كلّها” و”نقطةُ تقاطع الفكر والوجدان القوميَّين”. بذلك تشكّل التوراةُ الأرضيّةَ المشتركةَ التي لا تقبل الشكّ بين كلّ اليهود، ومنبعَ الفكر اليهوديّ برمّته. لقد حُفظ نصُّها الصحيح حفظًا متأنّيًا نزولاً حتّى أصغر حرفٍ وحركة، الأمرُ الذي يتيح لعلماء اليهود أن يحمّلوا معنًى للنواة المركزيّة لبعض المقاطع أو للتوراة ككلّ، وذلك عبر تعيين بعض الآيات أو الكلمات أو الحروف المفردة.

يُعرَف مجموعُ تفاسير التوراة العبريّة أو “التوراة المكتوبة” التي صيغت بعد العام ٧٠ بـ”التوراة الشفهيّة”، وهي تُعَدُّ جزءًا من النصّ المقدّس للديانة اليهوديّة. ولئن كان التلمودُ البابليّ يشدّد على أنّ “النصّ المقدّس لا ينحرف عن معناه أبدًا،” فإنّ ثمّة بعض الآيات التوراتيّة التي لا تزال تؤوَّل تأويلاتٍ غيرَ حرفيّة، وهذه التأويلات يُعاد مراجعتها وتطويرها بصورة مستمرّة. ولا يُعَدّ هذا الأمر تناقضًا، طالما أنّ الآية التوراتيّة الواحدة يمكن أن تحتفظ بمعناها الحرفيّ، وأن تكونَ لها في الوقت عينه معانٍ مبطّنةٌ عديدة. هكذا يذكر المِدْراش المعروف بـ”بامِدْبَر رباه” (Bamidbar Rabbah) أنّ للتوراة سبعين وجهًا.

إنّ التوراة المكتوبة والتوراة الشفهيّة مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا، إذ يُعتقَد أنّ لكليهما أصلاً إلهيًّا على الرغم من أنّ إحداهما قد دُوّنت دون الأخرى. كذلك يُعتقَد أنّه لا وجود لإحداهما من دون الأخرى. ولئن يُظنّ أنّ أجزاء التوراة قد أوحي بها بكاملها لموسى على جبل سيناء، فإنّ عددًا من التفاسير الأكثر تعقيدًا لن يكون فهمُه مُتاحًا لموسى، وذلك عائدٌ إلى أنّ الظروف الحياتيّة لبعض الحاخاميّين الذين أنجزوا هذه التفاسير قد مثّلت عواملَ شرعيّةً في تشكُّلها وهي بالتالي ضروريّةٌ لفهمها. حتّى أنّه ثمّة بين الحاخاميّين مَن يُشدّد تشديدًا أساسيًّا على دراسة التوراة الشفهيّة، التي كانت تُعدّ في بعض الحالات أكثر أهمّيّة، خاصّةً في ما يتعلّق ببعض المسائل الشريعيّة: إذ إنّ الشرائع المعقّدة والواسعة النطاق المصوغة في التوراة الشفهيّة غالبًا ما تستند إلى أدلّةٍ نصّيّة توراتيّة واهية. لهذا السبب لا تُحبَّذ أحيانًا دراسةُ التوراة المكتوبة وحدها من دون التوراة الشفهيّة.

وبما أنّ التيّار السائد في التراث اليهوديّ قد ركّز في أغلب الأحيان على النصّ العبريّ، فإنّه من الممكن تجاوز الترجمة اليونانيّة لنصّ التوراة المعروفة بـ”السبعونيّة”، وشرح فيلون الإسكندريّ عليها. كذلك، فإنّ المقارباتِ التفسيريّةَ الفلسفيّةَ الطابعِ، كتلك التي أنجزها فيلون أو كتفاسير موسى بن ميمون اللاحقة، كانت موجّهة إلى الخارج، وتحديدًا إلى جمهورٍ ذي خلفيّة فكريّة متأثّرة بالفلسفة الإغريقيّة، لذلك لم يتمَّ قبولُها في التيّار السائد في اليهوديّة، حتّى زمنٍ متأخّر جدًّا.

 

مفهوم النصّ المقدّس في الديانة المسيحيّة

يُشير العهدُ الجديد المكتوب باليونانية إلى نصوص اليهود المقدّسة باستخدام كلمة “الكتابة” أو “الكتابات”. ومع أنّه لم يكن ثمّة بعدُ إجماعٌ حول الكتب التي تُشكّل جزءًا من نصوص اليهود المقدّسة، فإنّه من الواضح أنّ هذه الكلمة، سواء في المفرد أو الجمع، تشير إلى هذه النصوص. في القرن الأوّل، غالبًا ما كان يُطلق عليها أيضًا اسم الكتابات “المقدّسة”. كذلك الترجمة اللاتينيّة scriptura للكلمة اليونانية تعني شيئًا مكتوبًا. على الرغم من ذلك، يجب أن نُبقيَ في أذهاننا أنّ النصّ الدينيّ بهذا المعنى يبقى في أساسه ظاهرةً ثانويّة يسبقها التراثُ الشفهيّ.

وقد أُطلق على العهد الجديد نفسِه صفةَ النصّ المقدّس في مرحلة متأخّرة جدًّا. من أهمّ المعايير التي اعتُمدت في عمليّة تحديد الكُتُب التي يجب قبولها كجزء من النصّ المقدّس، كان معيار موثوقيّة نِسْبة مضمون الكتب إلى الرُّسُل. علاوةً على ذلك، فإنّه من المرجّح أن يكون كلُّ إنجيلٍ من الأناجيل الأربعة قد أدّى دورًا بارزًا في مركزٍ من المراكز الأساسيّة للمسيحيّة المبكِّرة (روما، أنطاكية، أفَسُس، الإسكندريّة)، وبذلك كان لهذه الكتب دورٌ بارز منذ المراحل المبكِّرة.

إنّ نصوصَ العهد الجديد مقبولةٌ عند المسيحيّين جميعًا، أمّا في ما يتعلّق بالعهد القديم، ففي حين تعتمدُ الكنائسُ البروتستانتيّة على النصّ العبريّ، تستند الكنيسة الكاثوليكيّة والكنائس الشرقيّة إلى الترجمة اليونانيّة المعروفة بالسبعونيّة. مع ذلك، لا يؤدّي هذا الاختلاف إلى انقسامات عقائديّة، وإن كانت له تبِعاتٌ ليتورجيّة.

لَطالما أدّى النصُّ المقدّس وظيفةً نَقديّة وتصحيحيّة في حياة الكنيسة، وقد برزت هذه الوظيفة بصورةٍ خاصّة على أيدي البروتستانتيّين أثناء الإصلاح اللوثريّ. يُعتقَد بأنّ للنصّ المقدّس طابعًا لازَمَنيًّا يتعذّر تجاوزُه، وهو ما يجعله ذا صلاحيّة كونيّة. وبمعزل عن الطريقة التفسيريّة الخاصّة، فإنّ مركز النصّ المقدّس، من وجهة نظرٍ مسيحيّة، هو حياة المسيح وأعماله، وهي تُشكّل البوصلةَ الأساسيّة لكلّ الأجزاء الأخرى من النصّ المقدّس وتأويلاتِها المختلفة. حتّى أنّ العهدَ القديمَ يُقرأ من قِبَل المسيحيّين قراءةً خريستولوجيّة، وهذا الأمر يقود إلى تفسيرٍ يختلف اختلافًا كبيرًا عن التفسير الذي توصّل إليه العلماءُ اليهود. على سبيل المثال، وعلى الرغم من التوتّر القائم بين تأويلات العهد القديم في رسائل القدّيس بولس، التي تشكّل جزءًا من العهد الجديد، والمقارباتِ التأويليّة الحديثة، فإنّ القاسم المشترك بين الاثنين هو أنّ العدَسَة التي يُنظر من خلالها إلى النصّ المقدّس هي عدَسَةٌ خريستولوجيّة. ولئن كان واضحًا أنّ هذه العدسة لا تَصْلُح لكلِّ المقاطع في العهد القديم، فإنّ المبدأ العامّ يبقى صالحًا في الإطار الواسع وإن كان لا يصحّ على بعض التفاصيل. هذه العمليّة التأويليّة نجدُ مثيلاً لها في القرآن الذي يتضمّن بدوره إعادةَ قراءةٍ للنصوص المقدّسة التي سبقته، لكن من خلال تركيز جديدٍ ووجهةِ نظرٍ جديدة.

 

مفهوم النصّ المقدّس في الديانة الإسلاميّة

في التراث الإسلاميّ، يقارَبُ مفهوم النصّ المقدّس في علاقته بالقرآن حصرًا، وليس كظاهرة عامّة. من أبرز المسائل في هذه المقاربات طبيعةُ القرآن كنصِّ وحْيٍ، والاعتقادُ بأنّه يصحِّحُ النصوصَ السابقة. كذلك، يرتبط مفهوم النصِّ المقدّس بمفهوم الوحي ارتباطًا وثيقًا، بما أنّ مصدرَ النصِّ الإلهيّ مركزيٌّ لِمَا يمثّلُه النصُّ المقدّس بالنسبة إلى المسلمين. إنّ علاقةَ الإنسان بهذه النصوص المُنْزَلة تشكّل جزءًا ممّا يحدِّدُ ما هي الإنسانيّة، إذ إنّ النصوصَ كلَّها تذكِّرُ بالميثاق الأصليّ الذي التزم به البشرُ تجاه ربّهم، كما تذكر الآية ١٧٢ من سورة الأعراف. مفهوميًّا، يقدّم القرآنُ نفسَه على أنّه يؤكّد على النصوص المقدّسة التي سبقته و”يهيمن عليها”، كما يرِدُ في الآية ٤٨ من سورة المائدة، موضِّحًا التفسير الصحيح لهذه النصوص. مع ذلك، إنّ الحكمَ على مدى التزام الجماعات بنصّها المقدّس الأصليّ يشكّل مهمّةً تتجاوز مقدرةَ البشر.

إنّ كلمة “كتاب” التي تُستخدم عادةً في القرآن للإشارة إلى “النصّ المقدّس” أو “الكتابات”، لا تشير بالضرورة إلى القرآن نفسه، بل يمكن أن يُقصد بها النصّ الإلهيّ الأصليّ (ما يُعرف باللغات الأوروبيّة بالـ”urtext”) الذي لا يشكِّل تمظهُرُه في الزمن وفي لغةٍ بشريّة معيّنة إلاّ تفصيلاً ممكنًا. يقودنا ذلك إلى التساؤل حول المعنى المقصود بكلمة “كتاب” عندما يتمّ استعمالها في وصف اليهود والمسيحيّين بأنّهم “أهل الكتاب”: إنّ هذه العبارة يُمكن أن تشير إلى جماعةٍ لها وصولٌ إلى النصّ الإلهيّ الأصليّ أو إلى مَن يستحوذ على نصّ مقدّس محدّد. إنّ تفاصيل ظهور النصّ الأصليّ موجودةٌ في النصّ المُنزَل كما في الطبيعة: فكلّ شيء يُمكن أن يكون نصًّا، كلُّ ما أعطي للأنبياء وكلّ ما هو متوفّر في الطبيعة يشكّل آياتٍ إلهيّة.

على الرغم من أنّ هذا اللاهوت الطبيعيّ ليس من اختراع الإسلام (أحد الأمثلة القديمة عليه نجده في المزمور رقم ١٠٤)، فإنّ حضورَه في القرآن أكثرُ أهميّة من حضوره في التوراة، وهو أكثر مركزيّة بالنسبة إلى الفهم الذي يقدّمه القرآن للوحي. هذا الحضور البارز يُمكن أن يُقرأ كتوكيدٍ قرآنيّ على شيء موجود في النصوص السابقة، مع أنّ درجة التركيز عليه مَخيطَةٌ على مَقاس متطلّباتِ الجماعة في ذلك الزمن. إنّ النصوص المقدّسة السابقة المذكورة في القرآن ليست بالضرورة النصوصَ نفسَها المتوفّرة لنا في الديانتَين المسيحيّة واليهوديّة. فالنصوصُ المذكورة فعليًّا في القرآن تقتصر على التوراة والمزامير والإنجيل، في حين أنّه ليس من المؤكّد أنّ المقصود بالإنجيل الأناجيلُ الأربعة التي نعرفها اليوم. وبما أنّ القرآن يقدّم إعادةَ قراءةٍ للنصوص المقدّسة المسيحيّة واليهوديّة، شأنه في ذلك شأن العهد الجديد الذي يقدّم إعادة قراءة للعهد القديم، فمن الممكن اعتباره من وجهةِ نظرٍ مفهوميّة “عهدًا ثالثًا”. لكنّ ذلك يقودنا إلى التساؤل حول وضع النصوص الدينيّة المتأخّرة، كالنصوص المقدّسة للديانة البهائيّة أو نصوص الديانة المورمونيّة، وهو ما يستدعي إجاباتٍ عن أسئلة عامّة تتعلّق بكيفيّة التعامل مع النصوص المقدّسة للديانات الجديدة، وهي أسئلة لم تُعْطَ بعدُ اهتمامًا معمّقًا من قبل المسيحيّين والمسلمين.

 

ملاحظات ختاميّة

ختامًا، وفي ما يتعلّق بمفهوم النصّ المقدّس في الإسلام، لا بدّ أيضًا من التطرّق إلى مفهوم التحريف، وهو فسادُ النصوص المقدّسة القديمة، التي يقدّم القرآنُ نفسَه كمصحِّحٍ لها. إذ يُعتقَد أنّ النصوص المقدّسة السابقة للقرآن قد فسُدت مع مرور الزمن، وبالتالي يأتي النصُّ القرآنيّ ليعيدَ تصحيحَها. لكن، مع ذلك، يطلبُ القرآن من المسيحيّين واليهود أن “يحكموا بما أنزل الله” في كتبهم، وذلك يعني بوضوح أنّ هذه الكتب لا تزال تحتوي على قدْرٍ كافٍ من الحقيقة، يؤمّن حياةً صالحة إذا ما تمّ اتّباعه. أمّا النقاشات الإسلاميّة اللاحقة حول مفهوم النصّ المقدّس فقد تمحورت بشكلٍ أساسيّ حول القرآن وطبيعته، أي إذا كان مخلوقًا (وهو ما قالت به المعتزلة) أو غير مخلوق ويمثّل بالتالي كلمةَ الله الأبديّة. وقد اتّخذت الإباضيّة موقفًا وسطًا إذ قالت بأنّ ثمّة قرآنًا غيرَ مخلوق وبأنّ القرآن الذي أُنزل إلى العالم هو تمَظَهرٌ زمنيّ له.

كذلك فإنّ المقاربة المتكاملة لمفهوم النصّ المقدّس في الإسلام يجب أن تتوقّف عند موقف الشيعة وعند التراث الفلسفيّ لا سيّما عند ابن رشد ومُلاّ صدرا. ومن المفيد أيضًا قراءة ابن رشد من خلال ربطه بكتابات توما الأكويني وموسى بن ميمون. لقد كان للاهوت الطبيعيّ في التراث الإسلاميّ المبكّر دورٌ بارز، وهو يستند إلى الفكرة القرآنيّة التي ترى في الطبيعة تجلّيًا للوحي: فحتّى رسائل الرياضيّات والنصوص العلميّة كانت تُقدَّم على أنّها محاولات لتفسير الآيات الإلهيّة. على الرغم من ذلك، وبخلاف التراث اليهوديّ، فإنّ فكرة تأويل النصّ القرآنيّ تأويلاً علميًّا ورياضيًّا لم تطوَّر بما فيه الكفاية.

وبالعودة إلى المسيحيّة، لا بدّ من أن نتوقّف أكثر عند قضيّة النصّ القانونيّ للإنجيل الذي كان يتّسم بالمرونة في العصور المبكّرة. حتّى في أيّامنا هذه، تختلف أهمّيّة بعض مقاطع الكتاب المقدّس ووظيفتها الليتورجيّة من كنيسة إلى أخرى. كذلك يمكن أن نتساءل حول مدى صحّة المطابقة مفهوميًّا بين النصّ القانونيّ والنصّ المقدّس، إذ إنّ الأناجيل المنحولة أو غير القانونيّة، حتّى وإن لم تكن جزءًا من العقيدة الرسميّة، قد أدّت دورًا في الإيمان الشعبيّ لبعض الجماعات المسيحيّة، وهذا يطرح السؤال حول إمكانيّة إدراج هذه النصوص تحت مفهوم “النصّ المقدّس”.

أخيرًا، إنّ مفهوم النصّ المقدّس في ديانةٍ ما يتأثّر بعلاقة هذه الديانة بالديانات الأخرى وبآليّات التماهي الحاصلة. فعلى سبيل المثال، يُمكن أن نتساءل ما إذا كان النصُّ المقدّس في المسيحيّة يكتسي الأهميّةَ نفسها التي يكتسيها في الإسلام، وذلك نظرًا إلى دور المسيح كوسيط تنكشف عَبْرَه كلمةُ الله، بينما في الإسلام، يضطلع القرآنُ بهذا الدور. من جهة ثانية، ثمّة الكثير من الجماعات البروتستانتيّة التي رأت في الكتاب المقدّس مركزَ الفكر الدينيّ. مع ذلك، يختلف التنظيرُ المفهوميّ لعلاقة الوحي بالنصّ المقدّس اختلافًا أساسيًّا بين المسيحيّة من جهة، وبين الإسلام واليهوديّة من جهة أخرى، إذ إنّ في هذين الدينين، يتمثّل الوحيُ بالنصِّ المقدّس نفسِهِ، أمّا بالنسبة إلى المسيحيّين، فتبقى نواةُ الوحي متمثّلةً بشخص يسوع المسيح، وبالتالي فإنّ النصّ المقدّس، حتّى وإن كان وحيًا إلهيًّا، هو بمعنىً ما مُنتَجٌ مشتَقّ. من جهةٍ أخرى، يسمّي القرآنُ المسيح “كلمةَ الله” (سورة النساء، الآية ١٧١). إنّ قضيّة الوحي، وقضيّتَي التعدّديّة والتنوّع، يجب أن تُطرَح في علاقتها بتشكُّل النصّ المقدّس، وهذا ينطبق أيضًا على المواقف المتّخذة تجاه المجموعات الدينيّة الأخرى ودورها في الصياغة المفهوميّة للنصّ المقدّس.

أخيرًا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المقاربات الهرمنوطيقيّة أساسيّة في كلّ من الديانات الثلاث. فقد اعترف التراث اليهوديّ مبكّرًا بتعدّديّة المعنى في الكتاب المقدّس، لكن في ما يتعلّق بالقرارات الشريعيّة، تبقى للأحكام الربّانيّة الكلمةُ الفصْل. علاوةً على ذلك، لا تؤثّرُ التعدّديّة على بعض المبادئ الأساسيّة في التيار السائد في اليهوديّة، كالاعتقاد بأنّ التوراة جاءت “من السماء” على سبيل المثال.

إنّ التوراة نفسها، وتحديدًا أسفارَ موسى الخمسة، قد قُوْنِنَت منذ القرن الخامس قبل الميلاد، في حين أنّ كتبًا أخرى أُلحقت بالنصّ القانونيّ في فترة لاحقة. وقد دار جدالٌ حول إدخال بعض الكتب المحدّدة، مثل سفر الجامعة (الكوهيليث) ونشيد الأناشيد، وانحسم الأمر في أواخر القرن الأوّل للميلاد. أمّا أحد دوافع تحديد النصّ القانونيّ فقد كان تشتّت اليهود بعد تدمير الهيكل، إذ صار المتنُ المثبَتُ حديثًا يمثّلُ المركزَ والبؤرةَ بعدما فقدت أورشليم دورها كالبؤرة المركزيّة للجماعة.

 

 

مفهوم العقيدة في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام

مفهوم العقيدة في الديانة اليهوديّة

Moses and Aaron with the Ten Commandments (painting circa 1675 by Aron de Chavez)

يدور نقاشٌ واسع حول ما إذا كان ثمّة في الديانة اليهوديّة عقيدةٌ جامعة. إذ لم تعرف هذه الديانةُ مجامعَ كنسيّةً ذات سلطة تخوّلها التأسيسَ لأصول الإيمان؛ أمّا الانتماءُ إلى الديانة اليهوديّة فيتحدّدُ في الدرجة الأولى بالولادة وليس باعتناق عقيدةٍ ما. على الرغم من ذلك، نجدُ بدءًا من القرن الثاني تعاليمَ توراتيّة (المشناه) تُقصي اليهود الذين لا يعترفون ببعض أصول الإيمان (كقيامة الأموات أو كالأصل الإلهيّ للتوراة). بعد قرونٍ عدّة، صاغ موسى بن ميمون ثلاثةَ عشرَ مبدأً على الإنسان أن يعترف بها حتّى يُعدَّ يهوديًّا. وقد كان لهذه المبادئ تأثير واسع حتّى أنّها أُدرجت في بعض كتب الصلوات اليهوديّة. علاوةً على ذلك، تتضّمن الليتورجيا اليهوديّة عمومًا عددًا من أصول الإيمان المشتركة، أوّلُها الإيمان بإله واحد. (طبعًا، بالمعنى الواسع للعقيدة على أنّها “رأيُ تيّارٍ فكريّ”، يشكّل مبدأُ غياب العقيدة عقيدةً بحدّ ذاته؛ لكنّ الأمر ليس كذلك بحسب المعنى الضيّق لمفهوم العقيدة الذي أصبح سائدًا بِفَضْل التطوّرات التي طرأت على الكنيسة الكاثوليكيّة خلال القرن التاسع عشر.)

إنّ النقاش حول وجود العقيدة الجامِعة في الديانة اليهوديّة أو غيابها أصبح محتدِمًا بشكلٍ خاصّ في ألمانيا خلال القرنِ التاسعَ عشرَ، وتحديدًا ضمن سياق نقاشٍ تمَحْورَ حول حقوق اليهود المدنيّة. فقد اعتبر سامسون هيرش (Samson Hirsch) أنّه في إمكان اليهود أن يكونوا ألمانًا ذوي حقوقٍ مدنيّة كاملة، طالما أنّ اليهوديّة ديانة وليست أُمّة. ورأى موسى مندلسون (Moses Mendelssohn)، منطلِقًا من فكرة كون الشريعة اليهوديّة تقول بالفِعل حصرًا وليس بمبادئ الإيمان، أنّ اليهوديّة، كديانة، متعلّقةٌ فقط بفكرة الديانة الطبيعيّة التي تُعتَنَق عن طريق العقل (مثلاً من خلال الإيمان بالخالق). وبالتالي، يُمكنها أن ترفض أيّ شكلٍ من أشكال القسر الدينيّ، وذلك بخلاف المسيحيّة التي تولي أهمّيّة كبيرة لما أسماه مندلسون “الديانة المُنزَلَة”. أمّا إبراهيم غايغر (Abraham Geiger) فقد اعتبر أنّ مجموعة المعتقدات المحدَّدة التي تُعرَّف بها اليهوديّة إنّما هي في تحوُّلٍ وتطوّر مستمرَّين. إذًا، إنّ ما يجعل فكرةً ما فكرةً “يهوديّة” هو ارتباطُها التاريخيّ بالهويّة اليهوديّة وليس موقعها ضمن نظامٍ عقائديّ ما.

إنّ انعزال اليهود الأرثوذكس عن التيّار السائد في الجماعة اليهوديّة كردّ فِعْلٍ على الإصلاحات يعكسُ كذلك وَجهًا من أوجه هذا النقاش: فالأرثوذكس الذين ينعزلون على أساسٍ دينيّ يعترفون بنوعٍ من العقيدة الجامعة في اليهوديّة، أمّا السلطة اليهوديّة المحلّيّة التي توقّعت منهم أن يظلّوا جزءًا منها على الرغم من الإصلاحات، فهي تنظر إلى العضويّة في الجماعة اليهوديّة المحلّيّة على أنّها الواجب الدينيّ الأساسيّ، واضعةً بذلك الاختلافات العقائديّة في مرتبة ثانويّة. من الممكن العثور على مواقف مختلفة حول ما إذا كانت الاختلافات في التسميات اليهوديّة نابعةً من اختلافٍ في العقيدة أو في الممارسة. من وجهة نظر تاريخ الأفكار، يُمكن إرجاع الاختلافات إلى أجوبة مختلفة عن السؤالَين التاليين: “هل التوراة كتاب موحًى به بالكامل، أم أنّه أيضًا من صنع البشر؟” و”هل يجب قبول الشريعة بكلّيّتها أم في حدود خدمتها هدفًا أخلاقيًّا؟”

 

مفهوم العقيدة في الديانة المسيحيّة

The Adoration of the Trinity by Albrecht Dürer (1511). From top to bottom: Holy Spirit (dove), God the Father and the crucified Christ.

يُمكننا، في السياق الراهن، أن نتّخذ مجمع الفاتيكان الثاني نقطةَ انطلاقنا في صياغة الملاحظات التالية حول مفهوم العقيدة في الديانة المسيحيّة. ويمكن إيجاز السؤال الأساسيّ لهذا المجمع على الشكل التالي: أيُّةُ عقيدةٍ يمكن أن تكون مثمرة في الحوار مع رؤًى مختلفة إلى العالم؟ تنتظمُ هذا الانفتاحَ شروطٌ عديدة، من دونها لا يُمكن قيام أيّ حوار يلتزم احترامَ الآخَر. إنّ أحد الشروط الما-قبل-لاهوتيّة يكمن في الاعتراف بالحرّيّة الدينيّة وبحقوق الإنسان عامّةً. ومن الشروط اللاهوتيّة الأساسيّة هو أن ننظر إلى كلمة الله نظرةً أوسع ممّا يقدّمه للإنسان تراثُه الدينيّ الخاصّ. براغماتيًّا، لا بدّ أيضًا من أن نقبل بأنّ جميعَ الناس قادرون على أن يُسهموا في فهم البشر لكلمة الله، وبالتالي يصبح واجبًا على المسيحيّين أن يتعلّموا من الآخرين كي يصلوا إلى صورة مكتملة. ولئن كانت العقيدة تمثّل ركنًا مركزيًّا في كلّ ديانة تقوم على الاعتناق وليس على الولادة فحسب، فإنّها ليست الأكثر أهميّةً بين أفعال القَوْل في الديانة المسيحيّة، التي تتضمّن أيضًا الصلاة والليتورجيا والأحداث المرويّة وغيرها. وعلى الرغم من أنّ مفهوم العقيدة يبقى غيرَ واضحٍ، إذ لا يُعرف هل العقيدةُ أداةٌ لتنظيم الإيمان أم أنّها مضمون الإيمان الأساسيّ، يُمكن تحديد الشكل الأساسيّ للعقيدة بأنّها الاعتراف بالإيمان. بالمعنى الضيّق، تقوم العقيدة على أحكام يصوغها اللاهوتيّون، لكنّ لها دائمًا وجهًا براغماتيًّا أيضًا.

في السياق المسيحيّ يمكن توصيف العقيدة بأنّها محاولةٌ لفهم المعنى الحقيقيّ لظهور المسيح. وبما أنّ هذا المسار قد بدأ مع رسائل القدّيس بولس، يُمكن القول إنّ العقيدة تشكّل جزءًا من تكوُّن المسيحيّة كديانة، جنبًا إلى جنب روايات الأحداث الخلاصية. هناك شكلان أساسيّان للعقيدة في تاريخ المسيحيّة، هما الرسائل الدفاعيّة، التي هدفُها الدفاعُ عن الإيمان المسيحيّ في وجه غير المسيحيّين (ما يُعرف باللاتينيّة بـ”ad extra”)، والرسائل التي هدفُها تعميقُ فهم الإيمان داخل الجماعة المسيحيّة (باللاتينيّة “ad intra”). وقد عُبّر عن كلا الشكلَين من خلال أنواعٍ مختلفة من النصوص في زمن آباء الكنيسة. في التراث الغربيّ، تطوَّرَ الفكرُ المسيحيّ بعد مرحلة آباء الكنيسة في خطَّين منفصلَين واحدُهما عن الآخر، هما التراثُ العلميّ والتراثُ الرهباني. فالتراثُ العلميّ يمثّل استجابةً لتحدّي التيّار الأرسطيّ الذي يقول بنظامٍ فكريّ عقلانيّ. وقد دار نقاش واسع حول ما إذا كان الإيمان قائمًا على الفكر ومتاحًا له، وإلى أيّ حدٍّ، وقد جاءت الأجوبةُ متفاوتة تفاوتًا كبيرًا. بعد الإصلاح البروتستانتيّ بشكلٍ خاصّ، أُسِّست العقائد أو طُوِّرت أو سُطِّرت بعضُ أوجُهها بهدف توضيحِ هويّة طائفةٍ ما وتمييزِها عن الطوائف الأخرى. وقد قاد ذلك في بعض الأحيان إلى حالات من “المحاكاة التخاصميّة” في داخل المسيحيّة، بما أنّ هناك أوجهًا من الأمر تغيب تمامًا في بعض الكنائس بينما تحظى بأهمّيّة كبيرة في كنائسَ أخرى.

 

مفهوم العقيدة في الديانة الإسلاميّة

إنّ السؤال الأساسيّ الذي يتعلّق بالعقيدة الإسلاميّة هو التالي: ما هي النتائج المترتّبة على فكرة التوحيد؟ انطلاقًا من هذا السؤال المركزيّ، يتفرّع موضوعُ اللاهوت العقائديّ الإسلاميّ عادةً في مكوّنات خمسة: الله والرُّسُل والكتب والملائكة ويوم الحساب. تشكّل هذه المكوّنات موضعَ إجماع بين المسلمين جميعًا، لكنّ النقاش العقائديّ يدور حول تفسيرها. بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يكون للمفاهيم القرآنيّة الأساسيّة تَبِعاتٌ عقائديّة بالغة الأهمّيّة. وفقًا للقرآن، إنّ العقل هو ما يُلزِم الناس بأن يؤمنوا بالله. وبذلك يُمكن القبول بالعقائد لأنّها مرتبطة بالواقع عن طريق العقل.

إنّ مفهوم “الكلام” الذي غالبًا ما يُترجم في اللغات الأوروبيّة عبر مفهوم الـTheologie، يشكّل حقلاً أكثر محدوديّة بكثير من ذلك الذي يشير إليه المفهومُ الأوروبيّ. إذ يُقصد بـ”الكلام” الدفاعُ عن أصول الإيمان والتوسّع فيها، وهو بذلك أقربُ إلى مفهوم الـ”Dogmatik”. فكلّ فِرَق “الكلام” حاولت الدفاع عن التوحيد عبر طرق مختلفة. أمّا الفلسفة الإسلاميّة، فإنّها، بخلاف الكلام، لا تقتصر مهمّتُها على الدفاع عن العقائد، بل على تطويرها انطلاقًا من العقل الطبيعيّ ومن دون الاستناد إلى السلطة الدينيّة. ولئن اعتَمدتْ مفاهيمَ مأخوذة من الفلسفة اليونانيّة، فإنّها ليست نسخةً عربيّة عن الفلسفة اليونانيّة، بل تُعنى بمشكلات نابعة من قلب الإسلام. كذلك يشكّل التصوّف جزءًا لا يتجزّأ من اللاهوت الإسلاميّ بمعناه الواسع. وثمّة أيضًا أوجه شَبَهٍ بين بعض النقاشات العقائديّة في الإسلام ونقاشات تُقابلها في المسيحيّة، كالنقاش حول خلق القرآن أو عدمه والنقاش حول الطبيعة الثنائيّة للمسيح. إنّ الفكر الإسلاميّ في تطوّرٍ مستمرّ منذ العصور الوسطى، حتّى بعد تراجع التأثير الإسلاميّ الفاعل في الفكر الغربيّ.

 

ملاحظات ختاميّة

ختامًا لا بدّ من التوقّف عند سؤالٍ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم العقيدة، وهو ما إذا كان الاعتقادُ يتطلّب دائمًا مصادقةَ العقل. يجيب التراث اليهوديّ عن هذا السؤال غالبًا بالإيجاب، فالاعتقادات لا يُمكن أن تُفرَض فرضًا بل يجب بلوغُها عن طريق العقل. التراث الكاثوليكيّ، في المقابل، يعترف بوجود عنصر عقلانيّ في الاعتقاد الدينيّ لكنّه يتمسّك بالقول إنّ هناك أسرارًا تستغلق على الفهم المنطقيّ، الأمر الذي يعزّز من دور سلطة الكنيسة. وفي حين أنّه لا إيمان من دون عقل، فالإيمان لا يمكن أن يفسَّر بالعقل تفسيرًا كاملاً. إنّ العلاقة بين الاعتقاد الإراديّ والعقلانيّة والإيمان تحتاج إلى مزيد من التفكُّر، إذ من الواضح أنّه لا يُمكن اختزال الإيمان بالعقلانيّة. ولئن كان كثيرٌ من الحاخاميّين لا يقبلون بهذه الفكرة في ما يخصّ الاعتقاد بالأحكام، فإنّهم قد يعترفون بأنّ الاعتقاد (بمعنى الـ”إيموناه”، وهي أقرب إلى الإيمان) يتضمّن عنصرًا شعوريًّا. والكنيسة الكاثوليكيّة تلحَظُ وجود توتُّر مماثل بين عدم إمكانيّة الفصل بين الإيمان والمصادَقة العقليّة الإراديّة، من جهةٍ أولى، وبين الخضوع لسلطة الكنيسة، من جهة ثانية. جون هنري نيومين (John Henry Newman) مثلاً كان يرى في الوعي المرجعيّةَ العليا ويضع السلطة الإكليريكيّة في مرتبة ثانويّة. من جهة أخرى، يشدّد التراث الإسلاميّ، وبخاصّة تراثُ المتصوّفة، على ضرورة التجربة المباشرة (الذوق) عوض مجرّد الوصف أو الأحكام. يُنظر إلى هذه التجارب، كما هي الحال عند الغزالي مثلاً، لا على أنّها غير عقلانيّة، بل على أنّها تمثّل مقامًا أعلى يتجاوز العقلانيّة. كذلك تؤدّي التجربةُ الشخصيّة المباشرة دورًا في التراثين اليهوديّ والمسيحيّ (كما هو معبّر عنه في بعض المزامير مثلاً). وعلى الرغم من أنّ بعض هذه التجارب لا يُمكن تفسيرُه، فإنّه يشكّل أساسًا للإيمان الشخصيّ. على كلّ الديانات أن تتخّذ موقفًا من العلاقة بين الإيمان والعقل، ولهذا الموقف تبعاتٌ على العلاقة القائمة بين العقيدة والحقيقة. إذ لا يمكن الاستغناء عن التفسيرات العقلانيّة، على الأقلّ عندما يريد المؤمن أن يفسّر إيمانه للّذين لا يشركونه دينه.

إنّ أحد الأسباب التي تجعل من العقيدة ركنًا أساسيًّا في الكاثوليكيّة كامنٌ في أنّها تقدّم أرضيّة للوحدة. إذ بخلاف اليهوديّة، حيث تتحقّق الوحدة بشكل أساسيّ عبر الولادة، فإنّ اعتناق الكاثوليكيّة (والديانة المسيحيّة عمومًا) متاحٌ لجميع الناس، ولذلك يصبح هناك حاجة إلى عقيدة محدّدة تشكّل أساسًا للوحدة بين المؤمنين. ولئن كانت العقائدُ المحدّدةُ تحديدًا صارِمًا مقيِّدةً للدين، فإنّها ضروريّة من وجهةِ نظرٍ براغماتيّة. كذلك يُسهم تحديدُ العقيدة في تشكُّل هويّة الفرد المؤمن في مقابل الآخَرين، فيمثّل بذلك فعلًا دفاعيًّا أو حمائيًّا. هذه الآليّة يُمكن رؤيتها مثلًا في تطوّر الكلام الإسلاميّ الذي ظهر كردِّ فعلٍ على الضغط السياسيّ وعلى التحدّي الذي مثّله المسيحيّون. أمّا محاولات الوقوف في وجه هذه الظاهرة فتتمثَّلُ بالأشكال المختلفة التي تتّخذها الحركات المسكونيّة؛ وفي حالة الإسلام، يُمكن أن نذكر “مبادرة كلمة سواء” (Common Word Initiative) كمثال على الانفتاح العقائديّ.

في التراث الإسلاميّ، أشار الغزالي إلى محدوديّة العقيدة التي لا تستطيع أن تستنفد واقع التجارب الدينيّة المختلفة. كذلك، يشكّل قولُ الإسلام بنهائيّة الوحي نقطةً إشكاليّة، إذ إنّها تُضمِّنُ رؤيةَ الإسلامِ إلى العالم دياناتٍ أكثرَ قِدَمًا وتجعلها جزءًا عضويًّا من هذه الرؤية، وهي بذلك تفرضُ هيمنةً تفسيريّة على الآخرين. إنّ أحد المفاهيم المركزيّة في العقيدة الإسلاميّة هو مفهوم التوحيد، حتّى أنّه يُمكن تتبُّع التطوّر المفهوميّ للعقيدة الإسلاميّة من خلال تتبّع الطُّرُق المختلفة التي عُبِّر بها عن فكرة التوحيد في حقول الفكر الإسلاميّ المختلفة.