Navigation

مفهوم العقيدة في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام

 

 

 

 

مفهوم العقيدة في الديانة اليهوديّة

يدور نقاشٌ واسع حول ما إذا كان ثمّة في الديانة اليهوديّة عقيدةٌ جامعة. إذ لم تعرف هذه الديانةُ مجامعَ كنسيّةً ذات سلطة تخوّلها التأسيسَ لأصول الإيمان؛ أمّا الانتماءُ إلى الديانة اليهوديّة فيتحدّدُ في الدرجة الأولى بالولادة وليس باعتناق عقيدةٍ ما. على الرغم من ذلك، نجدُ بدءًا من القرن الثاني تعاليمَ توراتيّة (المشناه) تُقصي اليهود الذين لا يعترفون ببعض أصول الإيمان (كقيامة الأموات أو كالأصل الإلهيّ للتوراة). بعد قرونٍ عدّة، صاغ موسى بن ميمون ثلاثةَ عشرَ مبدأً على الإنسان أن يعترف بها حتّى يُعدَّ يهوديًّا. وقد كان لهذه المبادئ تأثير واسع حتّى أنّها أُدرجت في بعض كتب الصلوات اليهوديّة. علاوةً على ذلك، تتضّمن الليتورجيا اليهوديّة عمومًا عددًا من أصول الإيمان المشتركة، أوّلُها الإيمان بإله واحد. (طبعًا، بالمعنى الواسع للعقيدة على أنّها “رأيُ تيّارٍ فكريّ”، يشكّل مبدأُ غياب العقيدة عقيدةً بحدّ ذاته؛ لكنّ الأمر ليس كذلك بحسب المعنى الضيّق لمفهوم العقيدة الذي أصبح سائدًا بِفَضْل التطوّرات التي طرأت على الكنيسة الكاثوليكيّة خلال القرن التاسع عشر.)

إنّ النقاش حول وجود العقيدة الجامِعة في الديانة اليهوديّة أو غيابها أصبح محتدِمًا بشكلٍ خاصّ في ألمانيا خلال القرنِ التاسعَ عشرَ، وتحديدًا ضمن سياق نقاشٍ تمَحْورَ حول حقوق اليهود المدنيّة. فقد اعتبر سامسون هيرش (Samson Hirsch) أنّه في إمكان اليهود أن يكونوا ألمانًا ذوي حقوقٍ مدنيّة كاملة، طالما أنّ اليهوديّة ديانة وليست أُمّة. ورأى موسى مندلسون (Moses Mendelssohn)، منطلِقًا من فكرة كون الشريعة اليهوديّة تقول بالفِعل حصرًا وليس بمبادئ الإيمان، أنّ اليهوديّة، كديانة، متعلّقةٌ فقط بفكرة الديانة الطبيعيّة التي تُعتَنَق عن طريق العقل (مثلاً من خلال الإيمان بالخالق). وبالتالي، يُمكنها أن ترفض أيّ شكلٍ من أشكال القسر الدينيّ، وذلك بخلاف المسيحيّة التي تولي أهمّيّة كبيرة لما أسماه مندلسون “الديانة المُنزَلَة”. أمّا إبراهيم غايغر (Abraham Geiger) فقد اعتبر أنّ مجموعة المعتقدات المحدَّدة التي تُعرَّف بها اليهوديّة إنّما هي في تحوُّلٍ وتطوّر مستمرَّين. إذًا، إنّ ما يجعل فكرةً ما فكرةً “يهوديّة” هو ارتباطُها التاريخيّ بالهويّة اليهوديّة وليس موقعها ضمن نظامٍ عقائديّ ما.

إنّ انعزال اليهود الأرثوذكس عن التيّار السائد في الجماعة اليهوديّة كردّ فِعْلٍ على الإصلاحات يعكسُ كذلك وَجهًا من أوجه هذا النقاش: فالأرثوذكس الذين ينعزلون على أساسٍ دينيّ يعترفون بنوعٍ من العقيدة الجامعة في اليهوديّة، أمّا السلطة اليهوديّة المحلّيّة التي توقّعت منهم أن يظلّوا جزءًا منها على الرغم من الإصلاحات، فهي تنظر إلى العضويّة في الجماعة اليهوديّة المحلّيّة على أنّها الواجب الدينيّ الأساسيّ، واضعةً بذلك الاختلافات العقائديّة في مرتبة ثانويّة. من الممكن العثور على مواقف مختلفة حول ما إذا كانت الاختلافات في التسميات اليهوديّة نابعةً من اختلافٍ في العقيدة أو في الممارسة. من وجهة نظر تاريخ الأفكار، يُمكن إرجاع الاختلافات إلى أجوبة مختلفة عن السؤالَين التاليين: “هل التوراة كتاب موحًى به بالكامل، أم أنّه أيضًا من صنع البشر؟” و”هل يجب قبول الشريعة بكلّيّتها أم في حدود خدمتها هدفًا أخلاقيًّا؟”

 

مفهوم العقيدة في الديانة المسيحيّة

يُمكننا، في السياق الراهن، أن نتّخذ مجمع الفاتيكان الثاني نقطةَ انطلاقنا في صياغة الملاحظات التالية حول مفهوم العقيدة في الديانة المسيحيّة. ويمكن إيجاز السؤال الأساسيّ لهذا المجمع على الشكل التالي: أيُّةُ عقيدةٍ يمكن أن تكون مثمرة في الحوار مع رؤًى مختلفة إلى العالم؟ تنتظمُ هذا الانفتاحَ شروطٌ عديدة، من دونها لا يُمكن قيام أيّ حوار يلتزم احترامَ الآخَر. إنّ أحد الشروط الما-قبل-لاهوتيّة يكمن في الاعتراف بالحرّيّة الدينيّة وبحقوق الإنسان عامّةً. ومن الشروط اللاهوتيّة الأساسيّة هو أن ننظر إلى كلمة الله نظرةً أوسع ممّا يقدّمه للإنسان تراثُه الدينيّ الخاصّ. براغماتيًّا، لا بدّ أيضًا من أن نقبل بأنّ جميعَ الناس قادرون على أن يُسهموا في فهم البشر لكلمة الله، وبالتالي يصبح واجبًا على المسيحيّين أن يتعلّموا من الآخرين كي يصلوا إلى صورة مكتملة. ولئن كانت العقيدة تمثّل ركنًا مركزيًّا في كلّ ديانة تقوم على الاعتناق وليس على الولادة فحسب، فإنّها ليست الأكثر أهميّةً بين أفعال القَوْل في الديانة المسيحيّة، التي تتضمّن أيضًا الصلاة والليتورجيا والأحداث المرويّة وغيرها. وعلى الرغم من أنّ مفهوم العقيدة يبقى غيرَ واضحٍ، إذ لا يُعرف هل العقيدةُ أداةٌ لتنظيم الإيمان أم أنّها مضمون الإيمان الأساسيّ، يُمكن تحديد الشكل الأساسيّ للعقيدة بأنّها الاعتراف بالإيمان. بالمعنى الضيّق، تقوم العقيدة على أحكام يصوغها اللاهوتيّون، لكنّ لها دائمًا وجهًا براغماتيًّا أيضًا.

في السياق المسيحيّ يمكن توصيف العقيدة بأنّها محاولةٌ لفهم المعنى الحقيقيّ لظهور المسيح. وبما أنّ هذا المسار قد بدأ مع رسائل القدّيس بولس، يُمكن القول إنّ العقيدة تشكّل جزءًا من تكوُّن المسيحيّة كديانة، جنبًا إلى جنب روايات الأحداث الخلاصية. هناك شكلان أساسيّان للعقيدة في تاريخ المسيحيّة، هما الرسائل الدفاعيّة، التي هدفُها الدفاعُ عن الإيمان المسيحيّ في وجه غير المسيحيّين (ما يُعرف باللاتينيّة بـ”ad extra”)، والرسائل التي هدفُها تعميقُ فهم الإيمان داخل الجماعة المسيحيّة (باللاتينيّة “ad intra”). وقد عُبّر عن كلا الشكلَين من خلال أنواعٍ مختلفة من النصوص في زمن آباء الكنيسة. في التراث الغربيّ، تطوَّرَ الفكرُ المسيحيّ بعد مرحلة آباء الكنيسة في خطَّين منفصلَين واحدُهما عن الآخر، هما التراثُ العلميّ والتراثُ الرهباني. فالتراثُ العلميّ يمثّل استجابةً لتحدّي التيّار الأرسطيّ الذي يقول بنظامٍ فكريّ عقلانيّ. وقد دار نقاش واسع حول ما إذا كان الإيمان قائمًا على الفكر ومتاحًا له، وإلى أيّ حدٍّ، وقد جاءت الأجوبةُ متفاوتة تفاوتًا كبيرًا. بعد الإصلاح البروتستانتيّ بشكلٍ خاصّ، أُسِّست العقائد أو طُوِّرت أو سُطِّرت بعضُ أوجُهها بهدف توضيحِ هويّة طائفةٍ ما وتمييزِها عن الطوائف الأخرى. وقد قاد ذلك في بعض الأحيان إلى حالات من “المحاكاة التخاصميّة” في داخل المسيحيّة، بما أنّ هناك أوجهًا من الأمر تغيب تمامًا في بعض الكنائس بينما تحظى بأهمّيّة كبيرة في كنائسَ أخرى.

 

 

مفهوم العقيدة في الديانة الإسلاميّة

إنّ السؤال الأساسيّ الذي يتعلّق بالعقيدة الإسلاميّة هو التالي: ما هي النتائج المترتّبة على فكرة التوحيد؟ انطلاقًا من هذا السؤال المركزيّ، يتفرّع موضوعُ اللاهوت العقائديّ الإسلاميّ عادةً في مكوّنات خمسة: الله والرُّسُل والكتب والملائكة ويوم الحساب. تشكّل هذه المكوّنات موضعَ إجماع بين المسلمين جميعًا، لكنّ النقاش العقائديّ يدور حول تفسيرها. بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يكون للمفاهيم القرآنيّة الأساسيّة تَبِعاتٌ عقائديّة بالغة الأهمّيّة. وفقًا للقرآن، إنّ العقل هو ما يُلزِم الناس بأن يؤمنوا بالله. وبذلك يُمكن القبول بالعقائد لأنّها مرتبطة بالواقع عن طريق العقل.

إنّ مفهوم “الكلام” الذي غالبًا ما يُترجم في اللغات الأوروبيّة عبر مفهوم الـTheologie، يشكّل حقلاً أكثر محدوديّة بكثير من ذلك الذي يشير إليه المفهومُ الأوروبيّ. إذ يُقصد بـ”الكلام” الدفاعُ عن أصول الإيمان والتوسّع فيها، وهو بذلك أقربُ إلى مفهوم الـ”Dogmatik”. فكلّ فِرَق “الكلام” حاولت الدفاع عن التوحيد عبر طرق مختلفة. أمّا الفلسفة الإسلاميّة، فإنّها، بخلاف الكلام، لا تقتصر مهمّتُها على الدفاع عن العقائد، بل على تطويرها انطلاقًا من العقل الطبيعيّ ومن دون الاستناد إلى السلطة الدينيّة. ولئن اعتَمدتْ مفاهيمَ مأخوذة من الفلسفة اليونانيّة، فإنّها ليست نسخةً عربيّة عن الفلسفة اليونانيّة، بل تُعنى بمشكلات نابعة من قلب الإسلام. كذلك يشكّل التصوّف جزءًا لا يتجزّأ من اللاهوت الإسلاميّ بمعناه الواسع. وثمّة أيضًا أوجه شَبَهٍ بين بعض النقاشات العقائديّة في الإسلام ونقاشات تُقابلها في المسيحيّة، كالنقاش حول خلق القرآن أو عدمه والنقاش حول الطبيعة الثنائيّة للمسيح. إنّ الفكر الإسلاميّ في تطوّرٍ مستمرّ منذ العصور الوسطى، حتّى بعد تراجع التأثير الإسلاميّ الفاعل في الفكر الغربيّ.

 

ملاحظات ختاميّة

ختامًا لا بدّ من التوقّف عند سؤالٍ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم العقيدة، وهو ما إذا كان الاعتقادُ يتطلّب دائمًا مصادقةَ العقل. يجيب التراث اليهوديّ عن هذا السؤال غالبًا بالإيجاب، فالاعتقادات لا يُمكن أن تُفرَض فرضًا بل يجب بلوغُها عن طريق العقل. التراث الكاثوليكيّ، في المقابل، يعترف بوجود عنصر عقلانيّ في الاعتقاد الدينيّ لكنّه يتمسّك بالقول إنّ هناك أسرارًا تستغلق على الفهم المنطقيّ، الأمر الذي يعزّز من دور سلطة الكنيسة. وفي حين أنّه لا إيمان من دون عقل، فالإيمان لا يمكن أن يفسَّر بالعقل تفسيرًا كاملاً. إنّ العلاقة بين الاعتقاد الإراديّ والعقلانيّة والإيمان تحتاج إلى مزيد من التفكُّر، إذ من الواضح أنّه لا يُمكن اختزال الإيمان بالعقلانيّة. ولئن كان كثيرٌ من الحاخاميّين لا يقبلون بهذه الفكرة في ما يخصّ الاعتقاد بالأحكام، فإنّهم قد يعترفون بأنّ الاعتقاد (بمعنى الـ”إيموناه”، وهي أقرب إلى الإيمان) يتضمّن عنصرًا شعوريًّا. والكنيسة الكاثوليكيّة تلحَظُ وجود توتُّر مماثل بين عدم إمكانيّة الفصل بين الإيمان والمصادَقة العقليّة الإراديّة، من جهةٍ أولى، وبين الخضوع لسلطة الكنيسة، من جهة ثانية. جون هنري نيومين (John Henry Newman) مثلاً كان يرى في الوعي المرجعيّةَ العليا ويضع السلطة الإكليريكيّة في مرتبة ثانويّة. من جهة أخرى، يشدّد التراث الإسلاميّ، وبخاصّة تراثُ المتصوّفة، على ضرورة التجربة المباشرة (الذوق) عوض مجرّد الوصف أو الأحكام. يُنظر إلى هذه التجارب، كما هي الحال عند الغزالي مثلاً، لا على أنّها غير عقلانيّة، بل على أنّها تمثّل مقامًا أعلى يتجاوز العقلانيّة. كذلك تؤدّي التجربةُ الشخصيّة المباشرة دورًا في التراثين اليهوديّ والمسيحيّ (كما هو معبّر عنه في بعض المزامير مثلاً). وعلى الرغم من أنّ بعض هذه التجارب لا يُمكن تفسيرُه، فإنّه يشكّل أساسًا للإيمان الشخصيّ. على كلّ الديانات أن تتخّذ موقفًا من العلاقة بين الإيمان والعقل، ولهذا الموقف تبعاتٌ على العلاقة القائمة بين العقيدة والحقيقة. إذ لا يمكن الاستغناء عن التفسيرات العقلانيّة، على الأقلّ عندما يريد المؤمن أن يفسّر إيمانه للّذين لا يشركونه دينه.

إنّ أحد الأسباب التي تجعل من العقيدة ركنًا أساسيًّا في الكاثوليكيّة كامنٌ في أنّها تقدّم أرضيّة للوحدة. إذ بخلاف اليهوديّة، حيث تتحقّق الوحدة بشكل أساسيّ عبر الولادة، فإنّ اعتناق الكاثوليكيّة (والديانة المسيحيّة عمومًا) متاحٌ لجميع الناس، ولذلك يصبح هناك حاجة إلى عقيدة محدّدة تشكّل أساسًا للوحدة بين المؤمنين. ولئن كانت العقائدُ المحدّدةُ تحديدًا صارِمًا مقيِّدةً للدين، فإنّها ضروريّة من وجهةِ نظرٍ براغماتيّة. كذلك يُسهم تحديدُ العقيدة في تشكُّل هويّة الفرد المؤمن في مقابل الآخَرين، فيمثّل بذلك فعلًا دفاعيًّا أو حمائيًّا. هذه الآليّة يُمكن رؤيتها مثلًا في تطوّر الكلام الإسلاميّ الذي ظهر كردِّ فعلٍ على الضغط السياسيّ وعلى التحدّي الذي مثّله المسيحيّون. أمّا محاولات الوقوف في وجه هذه الظاهرة فتتمثَّلُ بالأشكال المختلفة التي تتّخذها الحركات المسكونيّة؛ وفي حالة الإسلام، يُمكن أن نذكر “مبادرة كلمة سواء” (Common Word Initiative) كمثال على الانفتاح العقائديّ.

في التراث الإسلاميّ، أشار الغزالي إلى محدوديّة العقيدة التي لا تستطيع أن تستنفد واقع التجارب الدينيّة المختلفة. كذلك، يشكّل قولُ الإسلام بنهائيّة الوحي نقطةً إشكاليّة، إذ إنّها تُضمِّنُ رؤيةَ الإسلامِ إلى العالم دياناتٍ أكثرَ قِدَمًا وتجعلها جزءًا عضويًّا من هذه الرؤية، وهي بذلك تفرضُ هيمنةً تفسيريّة على الآخرين. إنّ أحد المفاهيم المركزيّة في العقيدة الإسلاميّة هو مفهوم التوحيد، حتّى أنّه يُمكن تتبُّع التطوّر المفهوميّ للعقيدة الإسلاميّة من خلال تتبّع الطُّرُق المختلفة التي عُبِّر بها عن فكرة التوحيد في حقول الفكر الإسلاميّ المختلفة.