Navigation

مفهوم الشخص في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام 

 

 

 

أوّلًا: مفهوم الشخص في الديانة اليهوديّة

في التوراة اليهوديّة كما في النصوص الحاخاميّة وفي الفلسفة اللاحقة، يُنظر إلى الطبيعة البشريّة من خلال علاقتِها بالله ومن خلال تباينها عن الذات الإلهيّة. إنّ مفهوم الشخص يُمكن أن يُدرَس من خلال مفهوم الله، إذ إنّ صورة الله في النصوص الدينيّة تشكّل انعكاسًا للطبيعة البشريّة ولصورة الإنسان عن نفسه. إنّ الفهم اليهوديّ للشخص متعلّق بالمقابلة بين الحياة البشريّة قبل السقوط وبعده. لقد أدّى السقوط، بحسب موسى بن ميمون، إلى استبدال فَهْم الناس المثاليّ، القائم على التفريق بين الحقّ والباطل، بفهمٍ قائم على التفريق بين الخير والشرّ. إنّ وجود حَقْل الأخلاق برمّته وبما يعتريه من زلّات وغيابٍ للدقّة هو مؤشّر على حالة السقوط البشريّة. أمّا في ما يتعلّق بالعلاقة بالأشخاص من أتباع الديانات الأخرى، فالتوراة العبريّة (شأنها في ذلك شأن العهد الجديد) غالبًا ما تحاول تشجيع العلاقات الودّيّة تجاه أتباع الديانات الأخرى. في الشريعة اليهوديّة، تخضعُ أبسطُ العلاقات بالبشر الآخرين للشرائع النُوحِيّة.

تضعُ حكايةُ الخَلْق في الفصل الأوّل من سفر الخَلْق التوراتيّ القارئَ في سياق حكايةِ خلْقٍ ذات وجود مُسبَق، فتقدّم صورةً للشخص يحتلّ النقصُ موقعًا مركزيًّا فيها. وهي تلخّص الحالة البشريّة في سعْيها إلى كمالِ العالم الناقص وفي كونها لا تتوصّل أبدًا إلى إنجاز هذه المهمّة. وفقًا لبعض الباحثين، يجسّد آدم وحوّاء أهمّيّة البدايات الجديدة في حياة البشر. إنّ إصرار الديانات التوحيديّة على أنّ الحياة البشريّة محكومة دومًا بعدم الاكتمال وبغياب الأمان، يؤدّي إلى أن تبقى أبرزُ إنجازات البشر نسبيّةً وغيرَ ثابتة، ويتمّ ذلك من خلال الإشارة المستمرّة إلى الهوّة القائمة بين هذه الإنجازات وبين حالة الكمال.

 

ثانيًا: مفهوم الشخص في الديانة المسيحيّة

لئن كان علم الأنثروبولوجيا علمَ الإنسانِ بخاصّة، فقد يتضمّن النقاشُ حول مفهوم الشخص الشخوصَ غير-الإنسانيّة أيضًا. ذلك أنّ حصّةً بارزة من الجَدَل اللاهوتيّ المبكّر في المسيحيّة قد تمحورت حول فكرة الذات الإلهيّة أو شخص الإله، سواء في سياق النقاش حول الثالوث، الذي تركّز حول طبيعة الأقانيم الإلهيّة الثلاث وحول العلاقة فيما بينها، أم في إطار النقاش الكريستولوجيّ حول العلاقة بين الطبيعتين الإلهيّة والبشريّة في شَخْص المسيح. وقد كان لهذه النقاشات تأثيرٌ مباشر على تصوُّر المسيحيّة للعالم الآخَر، إذ إنّ لطبيعة الله، وبخاصّة الطبيعة الثنائيّة للمسيح، ارتباطًا مباشرًا بمفهوم الخلاص.

وقد كان للفلسفة الأرسطيّة خلال العصور الوسطى تأثير بارز على الفكر المسيحيّ حول الشخص والروح. ضمن هذا التراث، أسهَمَ توما الأكويني إسهامًا كبيرًا في التنظير لمفهوم الشخص في سياق العقيدة المسيحيّة، لا سيّما من خلال صوغه المعمّق لمفهوم analogia entis، الذي يُمكن ترجمته إلى العربيّة بـ”الشخوص القِياسيّة”. إنّ الفهم الأُنطولوجيّ “للعلاقة” في الشروحات العربيّة على كتابات أرسطو، ولاحقًا في كتابات توما الأكويني، أتاح مفهومًا أُنطولوجيًّا للشَّخْص على أنّه كائن بشريّ في علاقة. لقد تعرّضت هذه الفكرة للنقد من قِبَل فلاسفة القرن السابع عشر، وقد أدّى ذلك إلى تحرّر مفهوم الشخص من عباءة اللاهوت. مع ذلك، لم يُنظَر إلى هذا التحرّر فقط على أنّه استقلالٌ مفهوميّ، بل عُدَّ أيضًا انحسارًا مفهوميًّا، ممّا أدّى إلى عودةِ مفهوم “الشخص في علاقة” إلى الظهور في الفلسفة الشّخْصَانيّة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ترى الشخصانيّة في الشخص مفهومًا نسبيًّا ومتحوِّلًا وتُعامل علاقة الشخص بالشخوص الأخرى على أنّها عنصرٌ مؤسِّس في فكرة الشخص. وتربط الشخصانيّةُ المسيحيّةُ بصورةٍ خاصّة هذا المفهومَ بأسرار الثالوث والتجسّد.

ولئن كانت القدرات الذهنيّة تشكّل جزءًا من مفهوم الشخص، فإنّ هذا الأمر يطرح السؤال حول وضع الأطفال الصغار أو الأشخاص ذوي الإعاقات العقليّة. ومع ذلك، فإنّ هؤلاء يظلّون، من وجهةٍ نظرٍ مسيحيّة، في مرتبة متدنّية جدًّا مقارنةً بالله، شأنُهم في ذلك شأنُ كلِّ إنسانٍ آخر، فيصبح بالتالي واجبًا أن يُعطَوا القَدْرَ نفسه من الاحترام الذي يحظى به الأشخاص الآخرون. من الممكن أيضًا أن يُنظر إلى الشخوص وتعبيراتها على أنّها مظهرٌ من مظاهر الحقيقة الإلهيّة أو علامةٌ من علاماتها.

 

ثالثًا: مفهوم الشخص في الديانة الإسلاميّة

على الرغم من أنّ التعاليم الأساسيّة في الديانة الإسلاميّة لا تقدّم تعريفًا لمفهوم الشخص، فإنّ هذا الأخير يضطلع بدورٍ أساسيّ فيها، وذلك عائدٌ إلى أنّ مَهمّة المعتقدات والتقاليد الإسلاميّة هي أن تضبط حياة الأفراد على مختلف المستويات. من بين المصطلحات القرآنيّة المهمّة في هذا السياق يُمكن أن نذكر مصطلح “الناس”، الذي يشير إلى جماعةٍ من البشر، ومصطلح “النفس” الذي يشير إلى روحٍ فرديّة أو إلى كائنٍ حيّ، ومصطلح “الرجل”. في السياقات الإسخاتولوجيّة، يكتسب مصطلح “وجه” أيضًا أهمّيّة بارزة، وهو يشير إلى الشخص في كلّيّته. هذا الفهم يفتح المجال لعقد قراءةٍ مقارِنة مع النقاش المسيحيّ حول فكرة وجوه الثالوث.

في التيّار التقليديّ في الفكر اللاهوتيّ الإسلاميّ يتمُّ التركيز على الشخص بكونه كائنًا حيًّا غايتُه الأساسيّة أن يخدم الله من خلال إتمام أعماله وقبول قَدره المحتوم. فـ”الشخص” يُفهم على أنّه إنسان مخلوق، الأمر الذي يعني كذلك أنّ الله ليس شخصًا. في هذا السياق، يُمكن التوقّف عند التمييز الذي يقوم به الطبريّ بين أشكال النفس الثلاثة في النصّ المقدّس: النفس التي تتطلّع نحو الشرّ، النفس المضطربة، والنفس التي تعيش بسلام وهي نفسُ المؤمن. أمّا في التيّارات الفكريّة الأكثر عقلانيّة، فيتمّ التركيز بقدرٍ أكبر على الحرّيّة الفرديّة، التي يُعبَّر عنها من خلال علاقة الشخص الفَرْد بالله وبسائر البشر. إنّ غاية الإنسان كامنةٌ في ممارسة هذه الحرّيّة في العبادة وفي الحفاظ على الخليقة. من جهة أخرى، ينظرُ التصوّف إلى الشخوص المخلوقة في اتّحادها الجوهريّ بخالقها، وبالتالي فإنّ مسألة الإرادة الفرديّة غير مطروحة من أساسها. وتلتقي آراء العلماء التقليديّين بآراء العلماء العقلانيّين حول بعض المسائل المعاصرة: فكلا الفريقين يرى في تحديد النسل أمرًا مسموحًا به لأسباب طبّيّة، وفي حال انتفاء هذه الأسباب فهو مكروه لكنّه ليس حرامًا. أمّا الإجهاض فهو مسموح به قبل مرور ١٢٠ يومًا على الحَمْل، إذ عند مرور هذه المدّة تكون الروح قد نُفخت في الجنين، كما تشير إليه إحدى الآيات القرآنيّة، وبالتالي لا يعود الإجهاض مسموحًا به. أمّا في ما يتعلّق بالاستنساخ، فالتقليديّون يدعون إلى تحريمه بالكامل، في حين يُرجئ العلماءُ الأكثرُ ليبراليّة إطلاق الحكم في القضيّة حتّى يتوفَّرَ فهمٌ أوضح للأمور. إنّ أشكالَ العقاب المذكورة في القرآن مِن مِثْلِ تحويل الناس إلى قرَدَة وخنازير يشير إلى أنّ الذات البشريّة قد تُصادَر بسبب بعض الذنوب. وعلى الشاكلة نفسها، يتمّ أحيانًا تشبيه أبناء الأمم والديانات الأخرى بالحيوانات. وهنا قد يكون من المفيد مقارنة موقف الإسلام حول منزلة الشخص بموقف الديانتين التوحيديّتَين الأخرَيَين حول المسألة نفسها.