Navigation

مفهوم الجِنسانيّة في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام 

 

 

 

أوّلًا: مفهوم الجِنسانيّة في الديانة اليهوديّة

لقد استقطب موضوعُ الجنسانيّة في التراث اليهوديّ نقاشاتٍ وتأويلات مختلفة، شأنُه في ذلك شأنُ الكثير من الموضوعات الأخرى. إلّا أنّ التعدّد وغياب التوافق لا يقودان بالضرورة إلى الخصام. فتوصيفاتُ الجنسانيّة في التوراة اليهوديّة تختلف اختلافًا واسعًا، ويجب أن نتنبّه دائمًا إلى أنّ مجرّد إدراج مسألةٍ ما في النصّ التوراتيّ لا يفرض قبولًا أو تأييدًا لها من وجهة نظر الشريعة اليهوديّة. وعلى الرغم من وجود وجهات نظر مشترَكة على نطاق واسع في التراث اليهوديّ، فإنّه ليس ثمّة حُكْم واضح حول قضيّة الأخلاق الجنسيّة.

ولئن كانت النصوص التلموديّة مكتوبةً من قِبَل رجالٍ وموجّهةً للرجال، ولئن كانت للرجال مكانةٌ مميّزة في قانون الزواج، فإنّ ثمّة أيضًا مسائلَ يمنح فيها التلمودُ النساءَ حقوقًا تتجاوزُ ما كان متّبعًا في ذلك الزمان، كحقوق ضحايا الاغتصاب مثلًا. علاوةً على ذلك، يَلْحَظُ التلمود وجود شكلَين من البشر البَيْنيّي الجِنس أو غير المحكومين بالإزدواجيّة. الأوّل هو الكائن الخنثويّ ذو العضوَين الذكريّ والأنثويّ. والشكل الثاني هو ما يُعرف بالعبريّة بـ”الطُّمطُم” وهو كائن لا تُعرَف هويّتُه الجنسيّة. إنّ الهويّة الجَنْدريّة لهذين الشكلَين لا يُمكن تحديدُها، والتوراة تناقش بإسهاب واجباتِ هذه الكائنات وحقوقَها الشرعيّة. وفي حين أنّ التعدّديّة الجندريّة في التوراة لا تتطابقُ تمامًا والهويّاتِ الجندريّةَ الحديثة، فإنّ من الممكن تقديمها كأدلّة داعمة للتحوُّليّة الجنسيّة المعاصِرة والهويّات غير المحكومة بالإزدواجيّة، على الرغم من أنّ المنتمين إلى مجتمع الميم (وهو المصطلح العربيّ المقابل لـLGBT) لا يزالون مهمَّشين في الكثير من المجتمعات اليهوديّة.

في ما يتعلّق بالعلاقات الجنسيّة، تمثّل الوصيّة التوراتيّة بالنموّ والإكثار (“اِنموا واكثُروا”، سفر التكون ١ : ٢٨) تصديقًا واضحًا على العلاقة الجنسيّة بين الجنسَين بهدف الإنجاب، بينما لا يوضّح النصّ التوراتيّ ما إذا كانت الممارسات الجنسيّة الأخرى مسموحًا بها أم لا. وغالبًا ما يقدّم مفسّرو التوراة أجوبة مختلفة حول هذه المسألة. في التراث الحسيديّ، نجد النقاش حول الممارسات الجنسيّة متأثّرًا بمسألة “تبديد” بذرة الذكر أو، بتعبير آخر، الحؤول دون استخدامها بهدف الأنجاب. هذا التشديد على أهميّة البذرة الذكريّة تختلف عن الفهم القرآنيّ للإنجاب، الذي يرى فيه “مزجًا” لبذرة الذكر ببذرة الأنثى، على الرغم من أنّ الكتابات اليهوديّة تشير أيضًا إلى أنّ للحالة الذهنيّة لكلا الشريكَين تأثيرًا على ذرّيتهما. إنّ الاعتقاد العامّ في أيّامنا هذه بأنّ الديانة اليهوديّة، بخلاف الديانات الأخرى، هي ديانةٌ ذاتُ موقف إيجابيّ من الجنس ليس إذًا إلّا نتيجةَ قراءةٍ انتقائيّة. ومع ذلك، فإنّ أكثر النصوص تشدّدًا لا تصوّر الجنسانيّة على أنّها مبغوضة في ذاتها أو مرتبطة بالخطيئة الأصليّة، وذلك بخلاف جزء كبير من التراث المسيحيّ.

 

 

ثانيًا: الجنسانيّة في الديانة المسيحيّة

يميّز لوت (١٩٧٧) بين أربعة مواقف دينيّة تجاه مسألة الجِنسانيّة: أوّلًا، الموقف الذي يرى في الجنسانيّة تمتُّعًا بالخليقة؛ ثانيًا، الموقف الإندماجيّ الذي يرى الجنسانيّة جزءًا من الدين؛ ثالثًا، الموقف الإقصائيّ الذي يرى في الجنسانيّة مجرّد وظيفة؛ رابعًا وأخيرًا، الموقف الدينيّ اللاجنسيّ. إنّ هذه المواقف الأربعة يُمكن العثور عليها كلّها داخل الديانة المسيحيّة. علاوة على ذلك، مع الانتشار الواسع للمسيحيّة حول العالم ووجود أعداد كبيرة من المسيحيّين في جنوب الكرة الأرضي، لم يعد لأوروبا الدور المركزيّ في الخطاب المسيحيّ الذي كان لها في العصور السابقة. ثمّة إذًا مروحة من المفاهيم ووجهات النَّظَر التي يجب أخذُها بعين الاعتبار عند مناقشة مفهوم الجنسانيّة في الديانة المسيحيّة. فنقاط الاختلاف بين الكنائس، وبين التيّارات الليبراليّة والتيّارات المحافِظة ضمن الكنيسة الواحدة، واسعةُ النطاق، في حين أنّ هناك، من جهة أخرى، قواسمَ مشتركةً بين مجموعات تنتمي إلى كنائس مختلفة، وحتّى إلى ديانات مختلفة.

وبما أنّ مصطلح الجِنسانيّة (أو مصطلح Sexualität الذي يقابلُها في الألمانيّة) هو مصطلح حديث نسبيًّا، نجدُ أنّ ثمّة هوّة بين الفهم الحديث له والفهم الذي يمكن أن نستمدّه من النصوص المقدّسة المسيحيّة. إذ لا نعثر في العهدَين القديم والجديد على مصطلحات مجرَّدة للجنسانيّة، إنّما يُشار عادةً إلى العلاقة الجنسيّة بعبارة “تعرَّف/تعرّفت إلى”. وتستند معالجةُ هذه المسألة في رسائل القدّيس بولس (مثلًا الرسالة الأولى إلى طيموثاوس، ٢ : ٨-١٥) إلى تأويل ذكوريّ للفصول الثلاثة الأولى من سفر التكوين. هذا التأويل ينمّ عن موقف عدائيّ تجاه الجنس، إذ يختصر حوّاء بالجنس وبالتالي بالخطيئة. فتشديد العهد الجديد على أهمّيّة العفّة قد يكون مرتبطًا جزئيًّا بالتوقّعات الإسخاتولوجيّة الوشيكة داخل الجماعة المسيحيّة المبكِّرة، لكنّه عائدٌ أيضًا إلى تأثيرات هلّينيّة. إنّ النموذج المفهوميّ المقابل لهذا الموقف يقدّمه لنا العهدُ القديم، وتحديدًا نشيد الأناشيد حيث تجمع علاقةٌ حميمة بين الجنسانيّة والروحانيّة. إنّ للمواقف المعادية للجنس في رسائل القدّيس بولس انعكاساتٍ لاهوتيّةً وفلسفيّة في أعمال اللاهوتيّين اللاحقين كالقدّيس أوغسطينوس الذي يشدّد على فكرة كون الخطيئة الأصليّة تُتَناقَل عبر العلاقة الجنسيّة، أو توما الأكويني الذي يعدّ الجنس خطيئةً لتعارُضه والعقلانيّة. من جهة أخرى، نجدُ في التيّارات الباطنيّة مسارًا من الجنسانيّة الروحانيّة، كتشبيه علاقة المسيح بالكنيسة بالعلاقة الزوجيّة، على سبيل المثال. وقد رفضت التيّارات البروتستانتيّة المبكّرة حال العزوبة، فأكّدت أهمّيّة الزواج الذي رأت فيه مثال الحياة المسيحيّة، وهذا الأمر يشكّل نقطةً مشترَكة مع الفهم اليهوديّ للإنجاب على أنّه واجب. فالتراثُ اليهوديّ لا يشدّد على رَبْط الجنسانيّة بالخطيئة. وإن كان لهذا الرابط من حضور في هذا التراث، فهو كامنٌ في الفهم الواهن للشهوانيّة وعدم الكمال والخطيئة على أنّها مكوّنات أساسيّة في الطبيعة البشرية. حتّى أنّ بعض النصوص الربّانيّة تذهب أبعد من ذلك إذ ترى في الزهد نوعًا من أنواع الغواية، على أساس أنّ إنكار ملذّات الخلقِ يُعَدّ من الخطايا.

لقد أدّى الاعتقاد الرائج في الديانة المسيحيّة الذي يرى في الجنسانيّة خطيئةً إلى صدامات بين الحضارات في زمن الإرساليّات الإستعماريّة، إذ لم يتمّ تقبّل الموقف من الجنس عند بعض الحضارات التي يسود فيها فهمٌ كونيّ للجِنسانيّة. في أيّامنا هذه، نعثر أيضًا على صراعاتٍ مردُّها فهمٌ جديد للاستقلاليّة الجنسيّة ولتحرّر المرأة، بحيث أصبح للّاهوت النسويّ ولاهوت الأحرار جنسيًّا (Queer-Theologie) دورٌ بارز في الصراعات المسكونيّة الحاليّة. في هذا السياق، يضطلعُ التداخلُ المعرفيّ بين الخطاب الما-بعد-استعماريّ والخطاب الجندريّ أيضًا بدور بارز: على سبيل المثال، يرى بعض المسيحيّين الأفارقة أنّه بات من حقّهم فرض نظام نقيض للنظام الأخلاقيّ الذي فَرَضه الأوروبيّون والذي يقول بمعياريّة المغايرة (ما يُعرف بالألمانيّة بالـHeteronormativität).

 

ثالثًا: الجنسانيّة في الديانة الإسلاميّة

لم يكن لمفهوم الجنسانيّة من حضور في التراث الإسلاميّ، فقد جاء المفهوم من أوروبا في القرن العشرين. إلّا أنّ العديد من المسائل التي تقع اليوم تحت عنوان الجنسانيّة قد نوقشت تحت عناوين ومسمّيات عدّة مختلفة في الكتابات الإسلاميّة، حتّى أنّ حقل الجنسانيّة في الإسلام يتضمّن مروحة واسعة من المفاهيم. وقد تمّ إدخال بعض العناصر من فترة ما قبل الإسلام في المنظومة الأخلاقيّة للجنس في الإسلام، كإدراج صلة الرحم (الأمومة) ضمن مُعَوِّقات الزواج، وكمسألة تعدّد الزوجات، والمحظورات الجنسيّة أثناء الحجّ، والأحكام المتعلّقة بختان الرجال والنساء. هذا العنصر الأخير دخلَ الإسلام عبر طُرقٍ مختلفة: ففي حين لا يزال ختان الرجال يمثّل بابًا للدخول إلى جماعة المؤمنين، شكّل تشويه أعضاء النساء التناسليّة طريقةً للسيطرة على الجنسانيّة الأنثويّة وضبطها، ولم ينتشر إلّا في بعض مناطق العالم الإسلاميّ، حتى قبل أن يحتدم النقاش حوله في العقود الأخيرة الماضية. أمّا العناصر الجديدة التي أدخلها الإسلام، فنجدُ في المرحلة المكّيّة تحريمَ الامتناع عن ممارسة العلاقة الجنسيّة واعتبارَ المودّة بين الزوجَين “آية من آيات الله” (الآية ٢١ من سورة الروم)، بالإضافة إلى رفض الشهوة الجنسيّة المثليّة عند الرجال. أمّا المرحلة المدينيّة فتركّزُ أكثر على الإجراءات التي تضمن الأبوّة. لقد شهدت هذه المرحلة أيضًا إدخالَ الأحكامِ المتعلّقة بتحجيب النساء وعدم تكافؤ عَقْد القران باليهود والنصارى. وخلال خلافة عمر بن الخطّاب أصبحت الشريعة أكثر تشدُّدًا في ما يتعلّق بالتعدّيات الجنسيّة.

في القرون الأولى للإسلام، أسهم حقل الفِقه الإسلاميّ الحديثُ النشأة آنذاك في بلورة أحكام الزواج والطهارة وإدخال تقسيماتٍ جديدة في أحكام الجريمة. وتحت تأثير ترجمة الرسائل اليونانيّة في الطبّ، نشأ الحقل المعروف بـ”عِلم الباه” والذي يرى النشاط الجنسيّ ضروريًّا للمحافظة على الصحّة. لاحقًا، وربّما بتأثيرٍ هنديٍّ، صار لهذه الكتابات استخدام في علم الإيروتيكا، فصارت تُستعمَل في مجالات مختلفة مثل الجمال النسائيّ أو آداب المغازلة أو الوضعيّات الجنسيّة.

لقد أثّرت القِيَمُ الأوروبيّة خلال المرحلتَين الاستعماريّة وما-بعد- الاستعماريّة على المنظومة الأخلاقيّة للجنس في الإسلام. وقد تضمّن ذلك القضاء على نظام العبوديّة وتحريم زواج الأطفال ونزع صفة الجريمة عن الزنى. لكنّه أدّى، من جهة أخرى، إلى رواج الأخلاق الجنسيّة للعصر الفيكتوريّ، كرفض المثليّة الجنسيّة مثلًا (في مقابل الثقافة المثليّة التي ازدهرت في العصور الوسطى الإسلاميّة). شهدت تسعينات القرن العشرين والعقد الأوّل من القرن الواحد والعشرين تزايدًا في الحركات التي تدافع عن فكرة التحرّر الجنسيّ. ومع ذلك، فقد ترافق هذا التحديث بردود فعلٍ دفاعيّة، إن من قِبَل الحركات الرجعيّة أو من قِبَل الأنظمة: فمنذ سبعينات القرن العشرين، تمّت أَسْلَمة قانون العقوبات في العديد من البلدان، فيما أُعِيدَ إدخالُ التمييزِ الجندريّ والتحجيبِ الإلزاميّ وزواجِ الأطفال.

بصورةٍ عامّة، تمثّل الجنسانيّة قضيّةً اجتماعيّة بمقدار كونها قضيّة دينيّة، ويُمكن القول إنّ هذين الحيّزين قد سارا جنبًا إلى جنب في فترات طويلة من التاريخ. ولأنّه من الصعب جدًّا ضبط الجنسانيّة، غالبًا ما تؤدّي محاولاتُ فَرْضِ نظامٍ ضابطٍ عليها إلى ازدواجيّةٍ في المعايير وإلى نشوء هوّة بين الأحكام الناظمة والممارسة الفعليّة.