Navigation

تقرير عن ورش العمل

ورشةُ عمل حول مفهوم الإيمان في الديانات الثلاث: اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام

مداخلة البروفسورة سوزان تالاباردون من جامعة بامبرغ: مفهومُ الإيمان في الديانة اليهوديّة

ننطلقُ في دراستنا وتحليلنا من الإقرار مع الفيلسوف اليهودي مارتن بيوبر بأنّ فهمَ الإيمان إنّما يستند إلى رأيين أساسيّين: يقومُ الأوّل على مبدأ الثقة بشخص ما ( ما يُعرف في الديانة اليهوديةّ بمفهوم  Emunah  أي الإيمان) فيما يستندُ الثاني إلى الإعتراف بحقيقة شيء ما ( ما يُعرف بمفهوم  pistis في الكنيسة الأرثوذوكسية اليونانيّة). إشارة إلى أنّ الثنائيّة تلك لا محالة قابلة للتبسيط لكنّها قد تشكّلُ نقطة انطلاقٍ لتحليل موسّع ونقاش مستفيض. على سبيل المثال، لا يمكننا التغاضي عن الاختلاف الجذري ما بين كلّ من الديانتين اليهودية والمسيحية من حيث وظيفة الإيمان: فانتماءُ المسيحيّين إلى ديانتهم إنّما ينتجُ في الدرجة الأولى عن إيمانهم.

نتبيّنُ ذاك الاختلاف بين الديانتين من حيث مفهوم الإيمان واضحاً إذا ماعدنا إلى الكتاب المقدّس لدى اليهود، حيث مصطلح “أمان” الذي اشتقّت منه كلمة “إيمان” إنّما لا يتجاوز استخدامه 51 مرّة، بالمعنى الضيّق المحدود للـ” ثقة” أو ” التصديق” ، و49 مرّة أخرى كإسم، مقارنة بـ243 إستخداماً لفعل pisteuein  في العهد الجديد. إضافة إلى أنّ مصطلح إيمان، حيثما يُستخدمُ في التوراة، غالباً ما يقترنُ بمفاهيم أخرى ومنها الثقة والتضامن، كما بمفهوم الخوف ( بمعنى الاحترام أو الفزع).

من الملفت للنظر في السياق نفسه انّ النصوصَ العبريّة الأولى تخلو من أيّ عقيدة منهجيّة أو تعليم شفهي أو أيّ نوع من الدوغماتية المنهجية التي قد تصف الإيمان: صحيحٌ أنّ الديانة اليهودية ترتكز إلى مجموعة من العقائد الأساسيّة، غير أنّ تلك الأخيرة تختلف باختلاف مصدرها ولا تشكلّ صورة متماسكة. عودة إلى العصور الوسطى، حيث أصبح الإيمان واحدة من الفئات الفلسفية العامة ونوعاً من التقاطع ما بين مفهومي الإيمان والحقّ، ما يغيب في الكتاب المقدس لدى المسيحيّين. مع ذلك، يطالعنا في بعض النصوص العبرية ومنها على سبيل المثال، “سفر هاكوزاري” أي “كتاب الخزري”  للشاعر والحاخام اليهودي الأبرز في الأندلس، يهودا هاليفي، وصفٌ للإيمان اليهودي إيماناً يرتكز إلى العلاقة التاريخية ما بين الشعب اليهودي وإلهه وإلى التواصل ما بينهما، أكثر ممّا يرتكز إلى الحقيقة التأملّية المجرّدة.

وقد بينّت المناقشات التي تلت العرض أنّ المعتقدات النظرية الفرديّة في التقليد اليهودي لا ترتبط بتطور المجتمع. فالتوراة تشكل مركز التقليد والركن الثابت الوحيد فيه؛ مع ذلك تغيب الأجوبة الحاسمة والقاطعة عن مسائل تفسيرها. وما يبقي التقليد حياً إنما ذاك النقاش الذي لا ينتهي حول مسألة تكييف التوراة مع الظروف الحالية. حتّى إيمان إبراهيم وهو إيمان فردي بامتياز، دفع بصاحبه إلى الرحيل عن جماعته الأصليّة، إنما يكتسب أهميّة لأنه قاد إبراهيم إلى تأسيس جماعة وتقليد جديدين، وليس لكونه نموذجاً عن الإيمان الفردي.

مداخلة البروفسور والتر سبارن من جامعة إرلنغن نورنبرغ الإلمانية حول مفهوم الإيمان في الديانة المسيحيّة

يتّفق اللاهوتيون المسيحيّون أينما حلّوا، على إعادة مفهوم الإيمان المسيحي إلى إيمان إبراهيم وإلى الثقة بالله المبيّنة في المزامير، فيكون مفهوم الإيمان المسيحي قائماً على مصادر يهودية، ومفهوماً يمكن اعتباره أرضيّة مشتركة للنقاش ما بين الديانات التوحيدية. مع ذلك، يتّخذ مفهوم الإيمان، حتّى في الديانة المسيحيّة ، عدداً من الأشكال  غير المتجانسة ويفتح المجال أمام الكثير من التأويلات المختلفة. فمصطلح ” إيمان” لطالما كان مصطلحاً قابلاً لعدد من التفسيرات، وخضع، كما المصطلحات الدينية المسيحية، لعدد من الترجمات والمعاني المتحولة، ذلك أنّ الرسالة الإلهية لا بدّ أن تختصّ بأفراد يعيشون في أماكن وظروف محدّدة. تالياً، فان مفهوم الايمان مربوط بالحياة الدينية  العلائقية  للمؤمن، ولا يتقبّل تعريفاً عامّاً أو تجريدياً غيبيّاً. عوضاً عن ذلك، فقد ربطت ظاهرة الإيمان الدين بعلم الإنسان من خلال افتراض جوانب ثلاثة للايمان عموماً، لا سيما منها الفكري والمعنوي والعاطفي. وتختلف فروع المسيحية في فهمها لتلك العلاقة ما بين جوانب الايمان الثلاثة ولأهميتها النسبية. فالتقليد البروتستانتي يشدّد أكثر من سواه على أهمية الإيمان للخلاص، من خلال عبارة ” بالايمان وحده”، ما يميّز تمييزاً واضحاً لا يقبل الدحض ما بين الإيمان والاعمال او ما بين العمل الالهي والعمل البشري. كما يفضي ذلك إلى ازدواجية تتمثّل في الاعتماد على نعمة الله والثقة بالايمان الفردي. أضف إلى أنّ البروتستانتية تشدّد تشديداً ملحوظاً على جوانب الايمان التي تُحرر وpluraliser فتصوّر الإيمان حرًا من أي قانون رسمي.

أمّا قانون الايمان، الذي ذُكر في النقاش واحداً من القوانين الاكثر استخداماً، وتعبيراً أساسياً عن الإيمان المسيحي، فلم يُذكر في العرض نفسه، ذلك أن الإيمان المسيحي يتّخذ أشكالاً شخصية من التعبير ومن الصلاة ومنها الاعتراف بالخطايا. أما في التقليد البروتستانتي على وجه الخصوص، فتولي الطقوس الليتورجية التعبير عن الإيمان أهمية تقلّ عن تلك التي توليها التقاليد المسيحية الأخرى.

  • مداخلة البروفسور أوفامير أنجوم، من جامعة توليدو حول مفهوم الإيمان في الإسلام

يميّز القرآن تمييزاً واضحاً ما بين الإيمان الداخلي والأعمال الخارجية، كما نتبينه من عدد من الآيات. أما النقاش حول العلاقة بين الإيمان والأعمال الذي أثارته الآيات المذكورة، فقد شكّل الإطار حيث توضّح وتبلور مفهوم الإيمان في الإسلام. على سبيل المثال، فقد عرّف أبو حنيفة الإيمان على أنه التصديق الداخلي بالإله الواحد ونبوءة محمّد، الذي قد تكمّله الاعمال الحسنة لكنه بحد ذاته أساسي وغير قابل للتجزئة، أي أنه لا يختلف كمّاً أو قوة، فهو إما موجود أو غير موجود.

في المقابل، فقد ساد بين أهل السنة رأي يقول بأن الإيمان قد يزداد أو يضعف وأن مقداره قد يختلف باختلاف الأشخاص، ذلك أنهم يرون في الايمان جزءاً لا يتجزأ من الاعمال، فيضاف أو ينزع منهم من جراء الاعمال الحسنة أو السيئة، بحسب ما ورد في القرآن الكريم. لكنّ هذا التفسير يعني أن لا أحد يبلغ الإيمان بحدّه الأقصى ، وأن الاعمال المحتملة لا تحصى ولا تعدّ. لهذا السبب، اعتبر أبو حنيفة الإيمان وحدة غير قابلة للتجزئة تسبق الممارسات الدينية، وأنه على غرار المعرفة اليومية، لا يُمكن خسارته بعيد اكتسابه ونيله. ما يفضي إلى فصل شامل بين جماعة المؤمنين ( الذين يؤمنون بالله والانبياء)، المعارضة لاعتماد جماعات أخرى ومنها الخوارج مبدأ التكفير المفرط ( إعلان أحدهم غير مؤمن).

يتبيّن لنا ممّا سبق، وبحسب رأي أبي حنيفة، أنّ كلّ من ادّعى أنه مسلم هو مساوٍ للمسلمين الآخرين، ما يثير مسألة التوفيق بين هذا الرأي والمستويات المختلفة للالتزام بالايمان. في هذا السياق، يشبّه أبو حنيفة الامر بالقدرة على السباحة: قد يتمتّع سبّاحان بمستويات مختلفة من المهارة والثقة، لكنهما متساويان في كونهما سبّاحين. مع ذلك، قد يختلف سبّاح عن الآخر من حيث أي جانب آخر يرتبط بالقدرة على السباحة، بما في ذلك معرفة أنهما قادران على السباحة. ولمّا كانت النظرية نفسها تصحّ على الإسلام، فإنّ اعتبار ابي حنيفة الإيمان وحدة غير قابلة للتجزئة قد حدا بأهل السنة إلى التمييز ما بين الإسلام ( الانتماء الرسمي والأساسي لجماعة المؤمنين) والإيمان ( المستوى الفعلي من الالتزام الذي لا يشمل الإيمان وحده بل أيضاً التحفيز والعمل).

في القسم الأخير من هذا النقاش، أضيف المزيد من التوضيحات والتنقيحات ومنها البعد المضاف للتحفيز أو فكرة ” فروع” الإيمان أو جوانبه. وتكمن حدّة هذا النقاش على وجه العموم في وضع معيار عال غير متوقّع، يُصنّف على اساسه قلّة من الاشخاص مؤمنين، ما يُشجع نوعاً من النخبوية ويعطي الإيمان تعريفاً شاملاً واسعاً.

لقد تركّز النقاش على العلاقة ما بين الإيمان والمعرفة، التي إنّما ذُكرت باختصار في العرض. فالقرآن الكريم يشدّد على أن المعرفة الحقّة ترتبط بالايمان، وإلا لا تكون معرفة. كذلك التفكير البشري الصحيح، يقود بالضرورة إلى الإيمان بحسب القرآن الكريم.

 

المناقشات الختامية 28/9/2017

يكمن الاختلاف الجذريّ والأساسي بين الديانة اليهودية من جهة، وكل من الديانتين التوحيديّتين الاخريين من جهة أخرى، في أن اليهودية ليست ديانة شموليّة، فردية: ثمّة تفاعل ما بين الله والشعب اليهودي ككلّ، بدلاً من العلاقة الفردية مع الله. ومع أنّ الكنيسة بكليّتها، هي في التقليد الكاثوليكي، أهمّ من أي علاقة فردية، فإنّ خلاص كلّ فرد يبقى على المحكّ، فيما الجماعة بأكملها هي التي تخلص أو لا تخلص في التقليد اليهودي. نتيجة انعدام الشموليّة، من غير المرجّح أن يثير الإيمان اليهودي صدامات مع جماعات أخرى ضمن مجتمع تعدّدي لغياب أي تعصّب تبشيري،. فهو إقرار واعتراف بأن كلّ جماعة اخرى من الناس لها إيمانها المختلف.

فالإيمان في الديانة اليهودية تحاوري متأصّل وردّ على تجارب الله الجماعية. وتُعدّ شخصيتا إبراهيم ويعقوب مثالين على نوعين مختلفين من الإيمان، الأول غير قابل للمفاوضة ويستهلك كلّ شيء، والثاني واقعي وعقلاني، ولكلّ من النوعين مواطن قوّة وضعف. ولمّا كان التقليد اليهودي يخلو من مفهوم موحّد للإيمان، لا بل يشمل مجموعة واسعة من مفاهيم الإيمان، فمن غير الممكن تثبيت فكرة الإيمان اليهودية. من وجهة نظر مسيحية، تُعدّ عبارة التحلّي بالايمان أو امتلاكه مضلّلة ، ذلك أنّ الايمان ليس وحدة خالدة لكنه يعني العيش في علاقة. تالياً، فإن مفهوم الإيمان مضلّل: فتدعو الحاجة إلى فهم تاريخي يأخذ في الحسبان طبيعته المتغيّرة. فظاهرة الإيمان السلسة أهمّ بكثير من أي معرفة مطلقة. أمّا في القرآن على سبيل المثال، فلا بد للتفكير البشري الصحيح أن يقود إلى الإيمان. لكنّه لا يقود إليه في الحقيقة ذلك ان البشر غير كاملين لا بل تكثر فيهم العيوب. تالياً فإنّ المفهوم الفلسفي المثالي للإيمان غير ممكن في هذا العالم لكنّ النعمة الإلهية مطلوبة لتحويل الفلسفة إلى إيمان.

ليس من تعارض مباشر بين الفرد والجماعة، ذلك أن الفرد إنما لا يصبح مؤمناً إلا ضمن جماعة. اضف إلى أن الايمان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمسألة الحرية، ذلك أنه يستتبع في آن معاً تبعية جذرية لله واستقلالية جذرية عن أي شيء أو شخص آخر.تختلف طرق فهم الإيمان وتتعدد: فقد يتمّ تصويره عادة او حالة أو موقفاً اقتراحياً أو مجموعة من الاقتراحات. أما كيفية ارتباط كل جانب من الجوانب تلك أحدها بالآخر واختيار واحد منها للتشديد عليه فموضوع نقاش آخر.

ورشة عمل حول مفهوم الحقّ في الديانات الثلاث: اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام

مداخلة البروفسور ستيفان شراينير من جامعة توبينغن الإلمانية: مفهوم الحقّ في الديانة اليهودية

يردُ مصطلح emeth  المقصود منه “الحقّ”، في سياقات مختلفة من التوراة ويقترنُ بعددٍ من المفاهيم المختلفة، ومنها الإيمان والنزاهة والنعمة والولاء. وتأتي الترجمات السبعينيّة لتعكس هذا التنوّع بوضوح؛ فنجد له من المصطلحات المقابلة مصطلح “الحقّ”، ولكن أيضاً مصطلح “العدالة” من بين غيره من المصطلحات.  وفي حين يشير المصطلح الإغريقي aletheia  إلى الأمر الموحى به أو المُفصح عنه، فإنّ مصطلح emeth  العبريّ يعني الثبات أو الموثوقيّة. فنستنتج ممّا سبق، وبحسب الحاخام والفيلسوف ستيفن شوارزشيلد، أنّ مفهوم emeth، إنّما هو مفهوم أخلاقيّ يُقصد به الصدق والحقّ، وتالياً لا يمكن اعتباره مفهوماً نظريّاً بحتاً. أمّا المفهوم الفلسفي للحقّ الذي أوجده الإغريق في إشارة إلى حقيقة الأمور في الواقع، فلم يُعتمد في التقليدين العبري والعربي إلا في مرحلة لاحقة.

أضف إلى أنّ الحقّ قد ورد صفة من صفات الله الثلاث عشرة المسمّاة في سفر الخروج 34. ما يُعطيه مكانةً خاصّة مميّزة. حتّى أنّ مصطلح ” الحقّ” يُستخدم في الكتب العبرية بديلاً لكلمة الله في كثير من الأحيان، كما هي الحال في التقليد الإسلامي حيث يُشار إلى الله بتسمية “الاله الحقّ”. في السياق نفسه، كثيراً ما يُطالعنا في الكتب العبرية إستخدام مصطلح emeth  بمثابة اختصار، وإن اختلفت التفسيرات لما يُشير إليه كلّ حرف من حروفه، بما فيها التفسير الشهير بأنّها تمثّل بداية الأبجدية ووسطها ونهايتها.

أمّا مفهومُ فعل الحقّ فلا يصف مجرّد التصرف بما يمليه الحقّ أو التصرّف بصدق. فلمّا كانت التوراة الحقّ بنفسه، فإنّ تنفيذ تعاليمها ووصاياها يعني فعل الحقّ. فالحقّ الديني لا يصف الوقائع القابلة للإثبات بالحجة المنطقية، لكنه يظهر قيمته من خلال إعطاء معنى لحياة البشر الشخصية. ما يعني أيضاً أنّ الحوار بين الديانات لا يمكن أن يتّخذ شكل نقاش حول عقيدة؛ لا بل شكل النتائج العمليّة للأسس العقائدية  المختلفة.

مداخلة البروفسور توماس شارتل تريندل من جامعة ريغنسبورغ الإلمانية حول مفهوم الحقّ في الديانة المسيحية

يبدو لنا الحقّ قبل كلّ شيء صفة تُطلق على أحكام أو اقتراحات، ما يتعارض مع الفكرة التي تؤمن بها الديانات التوحيدية والقائمة على أنّ الله ( أو، في العقيدة المسيحية، يسوع المسيح) هو الحقيقة المطلقة. ما يعني أنّ مفهوم الحقّ في المسيحيّة، إن أردناه مفهوماً منطقياً، لا بدّ من صقله، بحيث يمكن تطبيقه على كيان شخصي. في هذا السياق نشير إلى أن  التقليد المسيحي قد رأى في الحقّ حتى يومنا هذا مطابقة للواقع وفهمه على هذا الأساس، مع أنّ التفسير الذي أوجده القديس أنسيلم (وهو فيلسوف وواحد من كبار اللاهوتيين والمفكّرين في الكنيسة الكاثوليكيّة)،  للمفهوم المذكور يركّز على جانب معياري، لا يشمل الحقّ ضمنه صدق القول فحسب، بل أيضاً استقامة الفكر والفعل. علاوة على ذلك، وإذا ما استرجعنا الممارسات اللاهوتية المسيحيّة عبر التاريخ، تجلّى لنا مفهوم المنطق الداخلي والتوافق كـ” معيار كافٍ للحقّ”. من الناحية الفلسفية، صحيحٌ أنّ نظرية المطابقة للواقع تعبّر أصدق تعبير عن حدسنا بشأن ما هو عليه الحقّ بالفعل، غير أنّها لا تجيب عن عدد من الأسئلة ومنها: علام تُطلق صفة الحقّ، أو ما السبيل إلى الحكم على مطابقة الحقّ للأفعال أو للواقع. وتفضي نظرية التماسك المفيدة على المستوى العملي إلى مشكلة الدائرية، ذلك أنّ حقيقة حكم من هذا النموذج إنّما يُحددها تماسكها مع أحكام حقّة أخرى يرتبط الواحد منها بالآخر، في ما خصّ معيار الحقّ المتعلّق بكلّ منها. ما يطرح تساؤلاً حول وجود حقيقة خارجية تشير إليها الأحكام الحقّة، حقيقة يمكن إثباتها بالتجربة. بدوره، يرتبط هذا النقاش حول الواقعيّة بكيفية إثبات الإطار التصوري المستخدم أساساً للنقاش العقلاني بشأن صحّة الأقوال. توخياً إدراك المفهوم القائم على أن الله هو الحقّ المطلق، يمكن إدراك الله الخالق على أنه الصانع المطلق للحق. غير أنّ المفهوم هذا يستهدف تماثلاً أعمق، قد يكون تماثل الله مع الحقّ الصرف الذي يجب أن يشارك كلّ شيء فيه ( حكم، فكر..) لكي يكون حقيقيّاً. علاوة على ذلك، يمكن أن نتبيّن بُعداً أخلاقيّاً في هذا التماثل بما انّ الله هو الحقّ المطلق، تالياً وبحسب القديس أغسطينوس، فإن الحقّ هذا هو أيضاً الهدف الذي لا بدّ من توجيه حياة الإنسان الداخلية نحوه. ما يمكن استخدامه أيضاً معياراً لحقيقة المعتقدات الدينية ولتقييم دورها في تأسيس هذه الحياة الداخلية.

تالياً، وكما لخّصنا في النقاش، تؤدي الحقيقة التناسبية دوراً هاماً في التقليد المسيحي نظراً لأهمية العقيدة، لكنها مرتبطة دوماً بالبعد الأخلاقي أو الروحي للحقيقة. غير أن النقاش يبقى إلى هذه المرحلة نقاشاً معرفيّاً، وتتطلّب الأدوات النظرية والتصورية الخاصة بالعقيدة اللاهوتية فصلاً مختلفاً.

مداخلة البروفسور نادر البزري من الجامعة الأميركية في بيروت حول مفهوم الحقّ في الإسلام

تطالعنا النصوص الدينيّة الإسلامية بمصطلح الحقّ مقابلاً لمصطلح truth، ونقيضاً لمصطلحي النفاق أو الباطل. ويرتبط الحقّ ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الوحي وتالياً بفكرة الألوهة. فالحقّ هو إذاً ما أوحى به الله لحماية المؤمنين من الشكّ والريبة والزيف والكذب. ما يفسّر محتوى الكتب المقدسة من تهديد وإدانة بحقّ كلّ من يُعتّم على الحقّ أو يُنكره.

الحقّ هو أيضاً من صفات الله أو إسماً من أسمائه، حيث يُركّز التقليد الصوفي ضمن الإسلام على الكشف عن الحقّ الإلهي والوحي به ليس من خلال النصوص الدينية، ولكن من خلال التجربة الصوفية المباشرة. كما أنّ التقليد الفلسفي في الإسلام يولي هو أيضاً أهمية للحق، حيث يرى إبن سينا مثلاً أن الفلسفة التزام بالحقّ ( خصوصاً من ناحية الضرورة والصدفة والاستحالة).

على وجه العموم، يُنظر إلى الحقّ على أنّه منتج الأفعال الصحيحة، فيما يؤدي الكذب إلى الأفعال المُحرّمة. غير أنّ الخطاب السائد اليوم في هذا الموضوع إنّما تُحرّكه الشعبوية وديناميّة القوة أكثر مما يحركّه البحث الموضوعي عن الحقّ، ما يثير عدداً من الأسئلة حول الدور الذي سيضطلع به مفهوم الحقّ في المستقبل.

ومن المسائل التي أثيرت في النقاش مسألة الركود النسبيّ الذي تعانيه الفلسفة الإسلامية في القرون الأخيرة ومردّه بشكل جزئي إلى الإيمان العام في الحقيقة الحرفية للقرآن الكريم، حيث ما زال تفسير القرآن على سبيل المثال في بعض المدارس الفكرية قائماً على علم الكونيات البطلمي، وهو بالأمر الباطل. وتوقّع البعض أن يساعد تطبيق مبادئ التفسير الحديث علماء الإسلام في هذا المجال.

المناقشة الختامية 29/9/2017

يمكن القول إن تشديد اليهود على الاعتراف بإله واحد، هو من باب الشرك تاريخياً، أكثر من كونه توحيدياً بالمعنى القوي. أي أنهم أقروا بوجود آلهة تعبدها شعوب أخرى، لكنّها محرّمة عليهم. تالياً، على الرغم من التماثل الذي نراه في الكتاب المقدس بين الله والحق، فإن اليهود قد يعتبرون أنّ الآلهة الأخرى غير جديرة بالعبادة من دون أن يُقروا بأنها زائفة أو غير موجودة.

نظراً لضيق الوقت، لم يتطرّق عرض اليوم السابق إلى مواضيع التنوع الداخلي للآراء حول مفهوم الحق في الديانة اليهودية كما إلى دور النقاش ما بين الأديان في التطور التاريخي للمفهوم المذكور. وفي حين يُقر التقليد اليهودي بأنه ليس من نبيّ مثل موسى، قد يُفهم من ذلك في بعض الحالات إشارة إلى الأنبياء ضمن شعب إسرائيل دون سواهم، ما يعني إحتمال وجود نبيّ من المصاف نفسه في أُمم أخرى. ما يمهّد الطريق أمام حوار مع الديانات التوحيدية الأخرى، لا سيما إذا ما افترضنا أنّ المسيحية والإسلام قد أعلنا إيمان اليهود إلى باقي العالم، ما يُنمّ عن إبداء نوع من التسامح تجاه الديانتين المذكورتين. وبالمثل، بحسب النصوص الدينيّة الإسلامية، فإنّ مصدر الوحي هو واحد لا غير للكتب المقدّسة كافة، مع أنّه قد يُصوّر في كثير من الأحيان سلسلة تصاعدية تبلغ أوجها في القرآن الكريم، ما يجعله “المعيار الذهبي” إذا جاز التعبير، للحق في غيره من النصوص الموحى بها. إشارة إلى أنّ لغة القرآن الجميلة تُفهم في الإسلام على أنها دليل خارجي على صحته كنص مقدّس، وهو بالامر الجديد في تاريخ الأديان، حيث اعتبرت التقاليد الأولى المعجزات أو العلامات دليلاً على صحّة الوحي.

بالنسبة إلى التقليد المسيحي، تُعدّ مسألة المعياريّة ركناً أساسيّاً لفهم الحقّ: فالمصادر لا بدّ لها من الوفاء بمعايير الحقّ لتؤخذ شاهداً أو لتولى أهمية. أضف إلى أنّ ممارسة اللاهوت المسيحي باللغة العربية (لغة الإسلام) قد أدى إلى تجديد في الكنيسة الشرقية. كما يرتبط مفهوم الحقّ في المسيحيّة ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الثالوث، حيث المسيح هو الحقّ والروح القدس روح الحقّ.

 

حلقة نقاشية 28/9/2017  : هل يكون الإيمان المقصود منه الحقّ، مدمّراً للمجتمع؟

المشاركون: البروفسور طارق بداويا ( من جامعة إرلنغن نورنبرغ)، البروفسور جينس كولين كامبف (من جامعة إرلنغن نورنبرغ)، الدكتورة كاتيا ثورنر (من جامعة إرلنغن نورنبرغ)؛ مدير حلقة المناقشة: البروفسور جورج تامر (من جامعة إرلنغن نورنبرغ).

تمثّل موضوع النقاش الأساسي الذي تناولته الحلقة في ما إذا كان للإيمان، باعتباره الحقّ الحصري، مفعول مدمّر على حياة المجتمع الهانئة.

من وجهة نظر يهودية، الإيمان هو ردّ بشري على تجربة من تجارب الرفعة والسموّ. فالاقوال عن الله إنّما تصحّ طالما لا تنفصل عن المتكلّم، فهي لا تُشير إلا إلى ألهي، إلهنا أو إلهك. تالياً، لا يدّعي الإيمان في الديانة اليهودية الحقّ المطلق الذي يمكن فرضه على جماعات أخرى. ففرض ديانة مجموعة ما على الآخرين هو من باب الغطرسة.

أمّا الردّ المسيحي على تلك المسألة فيعتمد على مفهوم الإيمان، ومفهوم الحق ونوع المجتمع المعني. فيمكن التميير ما بين فعل الإيمان fides qua وفحوى الإيمان fides quae المترابطين.  فحقيقة الأقوال مرتبطة بالسياق، وفي حالة التحدّث بضمير المتكلّم ترتبط بالمتكلّم نفسه. ولمّا كانت أقواب الإيمان تندرج ضمن تلك الفئة، فمن غير الممكن تحويلها إلى حقائق مطلقة وصحيحة إلى الأبد، مع أنها ليست ذاتية بكليّتها لا بل تتيح نقاشاً عقلانياً. وفي حين تقوى المجتمعات المتجانسة بمفهوم الإيمان المتبادل على أنه الحقّ، فإنّ المجتمعات التعددية تحتاج إلى مطالبة بالحقّ غير مطلقة وكثيرة الإستطراد، ما يتيح مناقشة مضامين الإيمان من دون أن تضفي على ممارسته الناشطة طابعاً نسبيّأً.

بالنسبة إلى الملا حسن الأميري ( من فلاسفة القرن الرابع الهجري وقد حاول التوفيق بين الفلسفة والدين، وبين الصوفية والإسلام التقليدي)، الذي صاغ وجهة نظر إسلامية حول التنوع الديني في القرن الحادي عشر، ثمّة حقيقتان أساسيتان صحيحتان: الأولى تقول بخالق هو الله، والثانية بأن الإنسان محصور ما بين الولادة والموت. فتصبح التقوى تالياً ثابتة أنتروبولوجية. مع ذلك، فإن الإنسان متى ادّعى امتلاك الحقّ، فهو يمارس الغطرسة. في هذا السياق، لا ينقل القرآن الكريم امتلاك حقيقة نظرية لكنه يسدي نصائح أخلاقية يؤدي الامتثال بها إلى بناء الثقة بالحقّ. فالحقّ في هذه الحالة يتجلّى في فعل الإنسان. أما التنوع الديني، بحسب القرآن الكريم، فيجعل من جماعات الناس إختباراً الواحدة منها للأخرى. من المنظور الفلسفي لا تختلف القناعات الدينية إختلافاً جذرياً عن غيرها من القناعات اليومية، أي الاعتراف بصحّة شيء ما.  لكن ثمّة تمييز ما بين “الإعتقاد بـ”.. أو “الإيمان في..” . تالياً لا بدّ من التمييز ما بين الرأي النظري من الخارج ووجهة نظر المؤمن، ما يشمل عادة مفهوم الإيمان على أنه الحق. من وجهة النظر الخارجية، تكمن الخاصّية المميزة للإيمان الديني، إذا ما قابلناها بما هي عليه في المعتقدات الإيمانية الأخرى، في مضمونه كإيمان في حقيقة فائقة لا يمكن التحقق منها بالتجربة. من وجهة نظر المؤمن، فإنّ تلك الحقائق الفائقة هي حقائق بديهية ، ما دام الإيمان يُمرّر ويُرسّخ في سياق اجتماعي. تالياً فإن الإيمان علامة لهوية الجماعة، ولا يُشكّل بحد ذاته قوة مدمرة لا بل نقطة قوة  للنزاعات المحتملة، ما يجعله أداة، ولو صحّ الأمر كذلك على أنواع اخرى من الهويات الجماعية ( الإتنية منها أو الثقافية).

مع ذلك، فإن الجماعة الواثقة من قناعاتها لا تخشى أصحاب القناعات المختلفة بحيث قد تستحيل الحماسة الإرسالية علامة ضعف بدلاً من علامة قوة.   الجماعة الواثقة من إيمانها تشعر بالحاجة إلى التعبير عنه ومشاركته مع الغير، مع أن . بأيّ حال، توجِد الممارسة العامة للقناعات الإيمانية المختلفة حالةً من الخصومة ويُعدّ التعايش السلمي إنجازاً ثقافياً لا بدّ من تمريره من خلال تعليم طريقة صحيحة للتعاطي مع التحريض على العنف في الكتب المقدسة الدينية. فبدلاً من أخذ النصوص الدينية بحرفيتها، لا بدّ من أخذها على محمل الجد. ومن الضروري وجود مقدار من المعرفة للتعامل مع أسس الديانة، التي تسهل إساءة فهمها، مثل شخص يداوي نفسه من دون المعرفة الضرورية.

في حين أن معظم الإيديولوجيات الأكثر تدميراً في القرن العشرين قد ترافقت وتراجعاً ملحوظاً في التقوى، ليس من رابط سببي وليست الديانات ترياقاً عاماً لعلاج إمكانية استغلال الهويات الجماعية. مع ذلك، تضطلع الديانات، من وجهة نظر داخلية، بتلك الوظيفة.

ورشة عمل حول مفهوم الحقّ في الديانات الثلاث: اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام

مداخلة البروفسور ستيفان شراينير من جامعة توبينغن حول مفهوم الحقّ في الديانة اليهودية

يردُ مصطلح emeth  المقصود منه “الحقّ”، في سياقات مختلفة من التوراة ويقترنُ بعددٍ من المفاهيم المختلفة، ومنها الإيمان والنزاهة والنعمة والولاء. وتأتي الترجمة السبعينيّة لتعكس هذا التنوّع بوضوح؛ فنجد فيها من بين المصطلحات المستعملة مصطلح “الحقّ”، ولكن أيضاً مصطلح “العدالة” وغيره من المصطلحات. وفي حين يشير المصطلح الإغريقي aletheia  إلى الأمر الموحى به أو المُفصح عنه، فإنّ مصطلح emeth  العبريّ يعني الثبات أو الموثوقيّة. فنستنتج ممّا سبق، وبحسب الحاخام والفيلسوف ستيفن شوارزشيلد، أنّ مفهوم emeth، إنّما هو مفهوم أخلاقيّ يُقصد به الصدق والحقّ، وتالياً لا يمكن اعتباره مفهوماً نظريّاً بحتاً. أمّا المفهوم الفلسفي للحقّ الذي أوجده الإغريق في إشارة إلى حقيقة الأمور في الواقع، فلم يُعتمد في التقليدين العبري والعربي إلا في مرحلة لاحقة.

أضف إلى أنّ الحقّ قد ورد صفة من صفات الله الثلاث عشرة المسمّاة في سفر الخروج 34. ما يُعطيه مكانةً خاصّة مميّزة. حتّى أنّ مصطلح ” الحقّ” يُستخدم في الكتب العبرية بديلاً لكلمة الله في كثير من الأحيان، كما هي الحال في التقليد الإسلامي حيث يُشار إلى الله بتسمية “الحقّ”. في السياق نفسه، كثيراً ما يُطالعنا في الكتب العبرية إستخدام مصطلح emeth  بمثابة اختصار، وإن اختلفت التفسيرات لما يُشير إليه كلّ حرف من حروفه، بما فيها التفسير الشهير بأنّها تمثّل بداية الأبجدية ووسطها ونهايتها.

أمّا مفهومُ فعل الحقّ فلا يصف مجرّد التصرف بما يمليه الحقّ أو التصرّف بصدق. فلمّا كانت التوراة الحقّ بنفسه، فإنّ تنفيذ تعاليمها ووصاياها يعني فعل الحقّ. فالحقّ الديني لا يصف الوقائع القابلة للإثبات بالحجة المنطقية، لكنه يظهر قيمته من خلال إعطاء معنى لحياة البشر الشخصية. ما يعني أيضاً أنّ الحوار بين الديانات لا يمكن أن يتّخذ شكل نقاش حول عقيدة؛ لا بل شكل النتائج العمليّة للأسس العقائدية  المختلفة.

مداخلة البروفسور توماس شارتل تريندل من جامعة ريغنسبورغ حول مفهوم الحقّ في الديانة المسيحية

يبدو لنا الحقّ قبل كلّ شيء صفة تُطلق على أحكام أو اقتراحات، ما يتعارض مع الفكرة التي تؤمن بها الديانات التوحيدية والقائمة على أنّ الله (أو، في العقيدة المسيحية، يسوع المسيح) هو الحقيقة المطلقة. ما يعني أنّ مفهوم الحقّ في المسيحيّة، إن أردناه مفهوماً منطقياً، لا بدّ من صقله، بحيث يمكن تطبيقه على كيان شخصي. في هذا السياق نشير إلى أن  التقليد المسيحي قد رأى في الحقّ حتى يومنا هذا مطابقة للواقع وفهمه على هذا الأساس، مع أنّ التفسير الذي أوجده القديس أنسيلم (وهو فيلسوف وواحد من كبار اللاهوتيين والمفكّرين في الكنيسة الكاثوليكيّة)،  للمفهوم المذكور يركّز على جانب معياري، لا يشمل الحقّ ضمنه صدق القول فحسب، بل أيضاً استقامة الفكر والفعل. علاوة على ذلك، وإذا ما استرجعنا الممارسات اللاهوتية المسيحيّة عبر التاريخ، تجلّى لنا مفهوم المنطق الداخلي والتوافق كـ”معيار كافٍ للحقّ”. من الناحية الفلسفية، صحيحٌ أنّ نظرية المطابقة للواقع تعبّر أصدق تعبير عن حدسنا بشأن ما هو عليه الحقّ بالفعل، غير أنّها لا تجيب عن عدد من الأسئلة ومنها: علامَ تُطلق صفة الحقّ؟ أو ما السبيل إلى الحكم على مطابقة الحقّ للأفعال أو للواقع؟ وتفضي نظرية التماسك المفيدة على المستوى العملي إلى مشكلة الدائرية، ذلك أنّ حقيقة حكم من هذا النموذج إنّما يُحدّدها تماسكها مع أحكام حقّة أخرى يرتبط الواحد منها بالآخر، في ما خصّ معيار الحقّ المتعلّق بكلّ منها، ما يطرح تساؤلاً حول وجود حقيقة خارجية تشير إليها الأحكام الحقّة، حقيقة يمكن إثباتها بالتجربة. بدوره، يرتبط هذا النقاش حول الواقعيّة بكيفية إثبات الإطار التصوري المستخدم أساساً للنقاش العقلاني بشأن صحّة الأقوال. توخياً لإدراك المفهوم القائم على أن الله هو الحقّ المطلق، يمكن إدراك الله الخالق على أنه الصانع المطلق للحق. غير أنّ المفهوم هذا يستهدف تماثلاً أعمق، قد يكون تماثل الله مع الحقّ الصرف الذي يجب أن يشارك كلّ شيء فيه (حكم، فكر..) لكي يكون حقيقيّاً. علاوة على ذلك، يمكن أن نتبيّن بُعداً أخلاقيّاً في هذا التماثل بما انّ الله هو الحقّ المطلق، تالياً وبحسب القديس أغسطينوس، فإن الحقّ هذا هو أيضاً الهدف الذي لا بدّ من توجيه حياة الإنسان الداخلية نحوه. ما يمكن استخدامه أيضاً معياراً لحقيقة المعتقدات الدينية ولتقييم دورها في تأسيس هذه الحياة الداخلية.

تالياً، تؤدي الحقيقة التناسبية دوراً هاماً في التقليد المسيحي نظراً لأهمية العقيدة، لكنها مرتبطة دوماً بالبعد الأخلاقي أو الروحي للحقيقة. غير أن النقاش يبقى إلى هذه المرحلة نقاشاً معرفيّاً، وتتطلّب الأدوات النظرية والتصورية الخاصة بالعقيدة اللاهوتية بحثًا مستفيضًا، في سياق مختلف.

مداخلة البروفسور نادر البزري من الجامعة الأميركية في بيروت حول مفهوم الحقّ في الإسلام

تطالعنا النصوص الدينيّة الإسلامية بمصطلح الحقّ مقابلاً لمصطلح truth، ونقيضاً لمصطلحي النفاق أو الباطل. ويرتبط الحقّ ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الوحي وتالياً بفكرة الألوهة. فالحقّ هو إذاً ما أوحى به الله لحماية المؤمنين من الشكّ والريبة والزيف والكذب. ما يفسّر محتوى الكتب المقدسة من تهديد وإدانة بحقّ كلّ من يُعتّم على الحقّ أو يُنكره.

الحقّ هو أيضاً من صفات الله أو إسم من أسمائه، حيث يُركّز التقليد الصوفي ضمن الإسلام على الكشف عن الحقّ الإلهي والوحي به ليس من خلال النصوص الدينية، ولكن من خلال التجربة الصوفية المباشرة. كما أنّ التقليد الفلسفي في الإسلام يولي هو أيضاً أهمية للحق، حيث يرى إبن سينا مثلاً أن الفلسفة التزام بالحقّ (خصوصاً من ناحية الضرورة والصدفة والاستحالة).

على وجه العموم، يُنظر إلى الحقّ على أنّه منتج الأفعال الصحيحة، فيما يؤدي الكذب إلى الأفعال المُحرّمة. غير أنّ الخطاب السائد اليوم في هذا الموضوع إنّما تُحرّكه الشعبوية وديناميّة القوة أكثر مما يحركّه البحث الموضوعي عن الحقّ، ما يثير عدداً من الأسئلة حول الدور الذي سيضطلع به مفهوم الحقّ في المستقبل.

ومن المسائل التي أثيرت في النقاش مسألة الركود النسبيّ الذي تعانيه الفلسفة الإسلامية في القرون الأخيرة ومردّه بشكل جزئي إلى الإيمان العام في الحقيقة الحرفية للقرآن الكريم، حيث ما زال تفسير القرآن على سبيل المثال في بعض المدارس الفكرية قائماً على علم الكونيات البطلمي، وهو بالأمر الباطل. وتوقّع البعض أن يساعد تطبيق مبادئ التفسير الحديث علماء الإسلام في هذا المجال.

المناقشة الختامية 29/9/2017

يمكن القول إن تشديد اليهود على الاعتراف بإله واحد، هو من باب التفاعل مع الشرك تاريخياً، أكثر من كونه توحيدياً بالمعنى الفعلي. أي إنهم أقروا بوجود آلهة تعبدها شعوب أخرى، لكنّها محرّمة عليهم. تالياً، على الرغم من التماثل الذي نراه في الكتاب المقدس بين الله والحق، فإن اليهود قد يعتبرون أنّ الآلهة الأخرى غير جديرة بالعبادة من دون أن يُقروا بأنها زائفة أو غير موجودة.

نظراً لضيق الوقت، لم يتطرّق عرض اليوم السابق إلى مواضيع التنوع الداخلي للآراء حول مفهوم الحق في الديانة اليهودية كما إلى دور النقاش ما بين الأديان في التطور التاريخي للمفهوم المذكور. وفي حين يُقر التقليد اليهودي بأنه ليس من نبيّ مثل موسى، فقد يُفهم من ذلك في بعض الحالات أنه إشارة إلى الأنبياء ضمن شعب إسرائيل دون سواهم، ما يعني إحتمال وجود نبيّ من المصاف نفسه في أُمم أخرى. ما يمهّد الطريق أمام حوار مع الديانات التوحيدية الأخرى، لا سيما إذا ما افترضنا أنّ المسيحية والإسلام قد أعلنا إيمان اليهود إلى باقي العالم، ما ينُمّ عن إبداء نوع من التسامح تجاه الديانتين المذكورتين. وبالمثل، بحسب النصوص الدينيّة الإسلامية، فإنّ مصدر الوحي هو واحد لا غير للكتب المقدّسة كافة، مع أنّه قد يُصوّر في كثير من الأحيان سلسلة تصاعدية تبلغ أوجها في القرآن الكريم، ما يجعله “المعيار الذهبي” إذا جاز التعبير، للحق في غيره من النصوص الموحى بها. إشارة إلى أنّ لغة القرآن الجميلة تُفهم في الإسلام على أنها دليل خارجي على صحته كنص مقدّس، وهو بالامر الجديد في تاريخ الأديان، حيث اعتبرت التقاليد الأولى المعجزات أو العلامات دليلاً على صحّة الوحي.

بالنسبة إلى التقليد المسيحي، تُعدّ مسألة المعياريّة ركناً أساسيّاً لفهم الحقّ: فالمصادر لا بدّ لها من الوفاء بمعايير الحقّ لتؤخذ شاهداً أو لتولى أهمية. أضف إلى أنّ ممارسة اللاهوت المسيحي باللغة العربية (لغة الإسلام) قد أدّت إلى تجديد في الكنيسة الشرقية. كما يرتبط مفهوم الحقّ في المسيحيّة ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الثالوث، حيث المسيح هو الحقّ والروح القدس روح الحقّ.