Navigation

ورشة عمل حول مفهوم الوحي في الديانات الثلاث: اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام

رحّب البروفسور الدكتور جورج تامر من جامعة إرلنغن نورنبيرغ الإلمانية بالحضور وأعطى بعضَ الملاحظات التمهيديّة حول مفهوم الوحي، موضوع ورشة العمل: فمفهومُ الوحي، أساسُ كلٍّ من الديانات اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، مفهومٌ يتطلّبُ اهتماماً خاصّاً. غير أنّه، وإن جُعل في غالب الأحيان نظير الكتب المقدّسة، يبقى مفهوماً متعدد المستويات وأكثر تعقيداً. على سبيل المثال، فإنّ الوحي يجتاز مراحل عدّة قبل أن يُدوّنَ شرائع دينية كتابية. علاوةً على ذلك، ولمّا كان ضرورياً أن يقرّ متلقوّ الوحي بتلقيّه ليحقّق غايته، فإنّ المتلقّين البشر لأي مضمون موحى به ناشطون في عملية الوحي نفسها. نتيحة الالتزام البشري هذا، تدخلُ على الخط أيضاً الظروف التاريخية.

بعد هذه المقدّمة الموجزة، قدّم البروفسور تامر رئيسة الجلسة الأولى من ورشة العمل، الدكتورة كلار أموس، من مجلس الكنائس العالمي.

  1. مفهومُ الوحي في الديانة اليهوديّة

في مقدّمةٍ لموضوع مداخلته، أوضح البروفسور شميتز أنّ الكتاب المقدّس الموحى به في الديانة اليهوديّة لا يقتصر على التوراة، بل يشمل أيضاً التلمود (التوراة الشفهية). وفيما أنزلت الوصايا الموحى بها على شعب إسرائيل جماعياً، فإنّ كلّ يهوديّ مدعوّ إلى التقيّد بها على المستوى الفردي. تالياً يحتلّ الكتاب المقدّس بصفته كلمة الله مركز الديانة اليهودية، لكنّه بحدّ ذاته مجرّد كلمات، يُدعى المؤمنون إلى تطبيقها على الأرض وتحويلها واقعاً.

إشارة في السياق نفسه، إلى النقاش الدائر ضمن التقليد اليهودي حول مكانة كلّ من التوراة المكتوبة والشفهية. من جهته، يعتبر الرأي الأورثوذكسي أنّ التوراة الشفهية هي أيضاً كلمة الله، وقد أوحي بها إلى موسى ولكنها لم تُدوّن إلا في مرحلة لاحقة على إثر انتقالها الشفهي ومناقشتها. في المقابل، ثمّة جماعات لا تُقرّ إلا بسلطة التوراة المكتوبة. في أي حال، فإنّ الشريعة اليهودية، ما يُعرف بالهلاخاه، قد أعطيت مباشرة من الله نفسه، شأنها في ذلك شان الشريعة الإسلامية: أياً يكن وضع التوراة الشفهية وأهميّتها، فقد أُعطيَ موسى ما أوحي به ككلّ لمُ يُضف إليه شيءٌ فيما بعد.

في السنوات المئتين الأخيرة، دار نقاش بين اليهود الأورثوذوكس واليهود الإصلاحيّين حول طبيعة الوحي. فبنظر الأوروثوذكس، ليس الوحي سوى مجموعة ثابتة من الشرائع والقوانين التي أضيفت ( ولكنها لم تُنقّح) إلى التقليد الشفهي، وهي اليوم تامّة مُنجزَة لا تتغيّر. أمّا اليهود الإصلاحيّون، فيرون في الوحي عمليّة مستمرّة بدأت ضمن سياق تاريخي وتغيّر فحواها ضمن تطور التقليد الشفهي نظراً لتغيّر الأوقات والظروف. ما يتيح أيضاً بعض التعديلات والتكييفات الحديثة علماً أنه ليس من سببٍ لاعتبار عملية الوحي ثابتة ومنجزة عند نقطة زمنيّة محدّدة. تالياً فإن الكتاب المقدس يكون ضمن النموذج المذكور، كتاباً ألّفه البشر بوحي من الله في سياق وزمن محدّدين.

نقاش حول تجزئة الشعارات، ترجمة الكتاب المقدّس وتعدّدية التفسير

طرحت الدكتورة أموس سؤالاً حول دور قصة الخلق في سفر التكوين في فهم الوحي والعلاقة بين الله والإنسان. وسألت أيضاً عن طبيعة القانون المرتبط بالوحي: فهل تنتهي عملية الوحي ما إن يُشرّع الكتاب المقدّس قانوناً؟ كما سألت عن ” فضيحة الخصوصية” التي تواجه ديانات الوحي: فكيف السبيل إلى التوفيق ما بين الفكرة القائلة بخصوصيّة شعب مختار أو بخصوصيّة مكان الوحي وزمانه من جهة، ورسالته العالمية من جهة أخرى؟ ممّا لا شكّ فيه أنّ اليهود والمسيحيين إنّما يختلفون بالردّ عن ذاك السؤال اختلافاً واسعاً. وكان البروفسور شميتز قد أقتبس في السياق نفسه مفهوم تجزئة الشعارات لدانييل بويارين (فيلسوف ومؤرّخ ديني) وهو يصف الجهود التي بذلها حاخامات اليهود في أواخر العصور القديمة في مجال الترويج لمنطق تفسيري أكثر انفتاحاً أتاح قدراً أوسع من اللاحتمية، في وجه النظرية المسيحية العقائدية السائدة في تلك الحقبة. أما الهدف فجمع تفسيرات الوحي المختلفة ضمن تعليم واحد. كما لفت النظر إلى أن التفسير مرتبط دوماً بالنصوص نفسها، وأن عملية التفسير قد تكون جزءاً من المضمون الموحى به.

من الأسئلة التي طرحها الحضور سؤال يتعلّق بالترجمة: يرى بعض المسيحيين في الولايات المتحدة  اليوم أن مترجمي الكتاب المقدس قد أوحي إليهم من الله وأن نسخة الملك جيمس ( الترجمة الإنكليزية المعتمدة للكتاب المقدس) أقرب إلى كلمة الله من الترجمات الاخرى. فهل من مفهوم مشابه في الديانة اليهودية؟ أو هل إن الوحي لا يحصل إلا بالعبرية؟

لفت البروفسور شميتز نظر الحضور إلى الترجمة اليونانية للتوراة في القرن الثاني ق.م. هذه الترجمة التي ما لبث أن نبذها التقليد اليهودي واعتمدها المسيحيون دون سواهم. وحده النص العبري يتيح للقارئ فهم تدرّجات المعنى إستناداً إلى معرفة كافة المعاني المحتملة لكلمة واحدة أو لجذر واحد. فاللاهوت اليهودي قد وُضع باللغة العبرية التي لا بد من فهم معانيها فهماً كاملاً.

من الأسئلة الأخرى المطروحة سؤال حول قصة ذُكرت على سبيل المثال في العرض، حيث ينهي الله نقاشاً بين حاخامين بالقول ” أبنائي على حقّ”، فيعلن تالياً صحّة الموقفين. فهل تجد هذه القصة مقابلاً موازياً لها في مبدأ ” كلُّ مجتهد مُصيب” في الشريعة الإسلامية، ما معناه أن أي عالم دين يتمتع بالخبرة المطلوبة وقد بذل جهداً صادقاً في فهم الشريعة، يُقبَل رأيه على أنّه رأيٌ صائبٌ صحيح؟

بالنسبة إلى البروفسور شميتز، يتشابه العديد من القوانين في الديانة اليهودية مع ما يقابلها في الديانة الإسلامية. في هذا السياق، من الضروري أن نأخذ دوماً في الحسبان أن النص العبري للكتب المقدسة الموحى بها، وإن كان ثابتاً، فإنّ معناه الدقيق وتشكيله يفسحان المجال للحاخامات أمام تفسيره. وأشار البروفسور تامر إلى ظاهرة مماثلة في الإسلام: فبحسب أحد التقاليد، سئل النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم في إحدى المرات عن آية قرآنية تلاها شخصان بطريقة مختلفة، فأجاب أن الإثنين قد أجادا تلاوتها. ما يبقي السؤال مفتوحاً حول الجهة المخوّلة إعطاء تلك التفسيرات.  

  1. مفهوم الوحي في الديانة المسيحية

تضمنت الجلسة الثانية عرضاً للبروفسور كريستوف شووبل من جامعة توبينغن وترأسها البروفسور برترام شميتز من جامعة فريدريش شيلر. بحسب البروفسور شووبل فإنّ إنكشاف الله يكتسب أهمية أساسية بالنسبة إلى الديانات التوحيديّة، ما يعني أنّ نتائج الوحي مؤثّرة وبالغة الأهمية في التحليلات والخطابات الدينية. فغالباً ما تركّز النقاشات الدينية الداخليّة على هويّة صاحب الوحي ومضمون الوحي الصحيح أو الموثوق. كما أن العلاقة بين الوحي نفسه والشاهد عليه ( أي الكتب المقدسة)، وكيفيّة الاحتكام إلى الوحي هما أيضاً موضع نقاش. ما يمكن ربطه اليوم بمسألة الأصوليّات الحديثة التي غالباً ما تطالب بعصمة الكتاب المقدس أساساً لسلطة الوحي.

في مجال النقاشات ما بين الديانات حول الوحي، ثمّة سؤال لا بدّ من الإجابة عليه، ويتعلّق بكيفية ترابط التقاليد أحدها بالآخر في مجال تطوّر فهم الوحي. فإلى أيّ مدى ارتبط توضيح مفهوم الوحي وتفصيله في إحدى الديانات بتبيان نقاط التشابه والاختلاف مع ديانة أخرى؟ على سبيل المثال، لا يشكّل تطور اللاهوت المسيحي منذ العصور الوسطى إلا ثلث القصة. فمن الضروري أن نفهم أيضاً تفاعلاته مع كل من الديانتين اليهودية والإسلام، على سبيل المثال الإسنادات والإشارات التي قام بها توما الاكويني لإبن سينا. فالأديان لم تكن يوماً كليات لا تحتوي إلا على نفسها سواء في خلال زمن الوحي أو بعده.

في السياق نفسه، يؤدي الجدال ما بين الموقفين المصنّفين في غالب الأحيان بالتأسسيسية والمناهضة للتأسيسية، ما يشير إلى الدلالة المعرفية للتقليد الذي ينتمي إليه الشخص، دوراً بارزاً في النقاشات مع الاشخاص خارج التقاليد الدينية. فهل من مبادئ عالمية مفترضة مسبقاً تحكم المطالبات بالحصول على المعرفة؟ أو هل من مبادئ مماثلة متأصلة في رأي من يقومون بتلك المطالبات وتالياً ترتبط، من بين أمور أخرى، بخلفيتهم الدينية؟ في الحالة الأخيرة، يبرز موقف التعددية الحوارية الذي ياخذ في الحسبان تلك الاختلافات في مقاربة الحقيقة مقاربة جدية، موقفاً ضرورياً لتفكير مشترك يؤدي إلى التقدم في هذا المجال.

يُعدُّ الوحي في الديانة المسيحيّة مفهوماً متعدّد الأشكال تندرج ضمنه مجموعةٌ من الظواهر ومنها الاقوال والأفعال أو الإشارات. كما أنه مصطلح علائقي لكوكبة تضم ظروفاً ومضامين ومتلقيّن ومفاعيل إلى جانب صاحب الوحي. وتالياً لا يمكن فهمه انطلاقاً من جانب واحد من الجوانب التي تشكّله. ويمكن تحليله من خلال الصيغة التالية:

صاحب الوحي (أ) يكشف في الحالة (ب) المضمون (ت) إلى المتلقي (ث) مع المفعول (ج).

يمكن ملء الحيّزات أعلاه بعناصر حقيقيّة وملموسة مستقاة من روايات الكتاب المقدس. بالنسبة إلى (أ)، يمكن القول إنّ الوحي غالباً ما يتّخذ شكل التماثل، كما نتبيّن على سبيل المثال في سفر الخروج. أمّا (ب) فقد تتمثّل في مجموعة من الحالات، بما فيها تلك حيث يستمع المتلقّي إلى الموسيقى أو يقرأ الكتاب المقدّس أو يصلّي. تالياً قد تصبح إشارات الوحي السابق الوسيطَ لتجربة جديدة من تجارب الوحي. في ما يتعلّق بالمضمون (ت)، فهو غالباً ما يضمّ إمّا التماثل أو تعليمات العمل؛ وقد يشمل بعض الاقتراحات العقائدية ولكن بمعناه الثانوي. بالنسبة إلى (ث)، من الضروري التنبّه إلى أنّ الوحي المجرّد غير موجود، وإلى أنّ المتلقّين المعيّنين هم دوماً موجودون. يكفي أن يطالعنا الكتاب المقدّس بذكرٍ لأشخاص معّينين ضمن تجربة معيّنة من تجارب الوحي، لنتبيّن أهميّة هؤلاء الأشخاص. أمّا المفعول (ج)، فيتميّز عادة بيقين عظيم، برسالة غير مشروطة لا غموض فيها ولا التباس، أو بإيمان لا بدائل معطاة عنه. تالياً يستحيل اليقين هذا نقطة انطلاق لغموض لاحق ولمجموعة من التفسيرات. فإن لم يكن للوحي هذا المفعول ولم يتمّ الاعتراف به وحياً، لا يمكن وصفه بالوحي بما أنّه لا يحقّق الغاية منه. فالـ”وحي” بهذا المعنى هو ” كلمة نجاح”.

في السياق نفسه لا بدّ من التوقّف عند واحدة من المشاكل التي تعترض العلاقة المسيحيّة اليهوديّة وتتمثّل في أنّ العهد الجديد قد اقتطع الكثير من الكتب المقدّسة اليهودية واستملكه: فها العهد القديم يُقرأ إنطلاقاً من الإيمان في تجلّي الله المطلق والأخروي من خلال قيامة يسوع المسيح. ما يمكن اعتباره نقطة الانطلاق لتفسير التاريخ برمّته الذي يصبح بدوره عملية لكشف الله عن نفسه. بهذا المعنى، لم يكن الكتاب على مرّ التاريخ إلا سلطةً ثانوية، على سبيل المثال عند استخدامه في الوعظ أو في الرسالة الرعوية. أما القارئ الخاص في كتابٍ بمثابة الإناء الأساسي للوحي، فظاهرةٌ حديثة.

تكمن المسألة المركزية للنقاش حول الوحي بين الجماعات المسيحيّة نفسها وبينها وبين غير المسيحيّين، في كيفية إثبات موثوقية الشاهد على الوحي. أمّا الحلّ فيكون في وضع سلسلة من الشهود الذين ينقلون الرسالة الرسولية الاصلية  ويضعون قانوناً مفتوحاً. وتنتهي هذه العملية بصياغة عقيدة الثالوث التي تؤكّد الهوية الوجودية لصاحب الوحي كما لمضمونه وللعملية التي يجتازها.

في السياق نفسه، إشارة إلى أن النقاشات بين اللاهوتيين المسيحيين في العصور الوسطى تأّثرت تأثّراً شديداً بالمواجهة بين علماء الدين اليهود والمسلمين. على سبيل المثال، يطالعنا في استعارات توما الاكويني من علماء دين مسلمين من أمثال إبن سينا مقدارٌ كبير من المعاني المستوردة من التفكيرين اليهودي والإسلامي في الكتابات المسيحية الرسمية. وغالباً ما ركّزت تلك النقاشات على إمكانيّة أو ضرورة استخدام العقل في تفسير حقائق الوحي، على أن يكون العقل في تلك النقاشات، إمّا قوام معرفة مضمون الوحي بحد ذاته، أو مجرّد تفسير لوحي معطى، بما أنه يرتبط دوماً بشكل معين من أشكال المعطى.

في الفلسفة الحديثة، وبعد أن وضعت حركة التنوير العقل معياراً لتقويم الحقّ وأسندت إلى الوحي دوراً تعليمياً لا غير، أعاد هيغيل على سبيل المثال الوحي إلى مصاف المفهوم الفلسفي، إذ أدركه تواصلاً إلهياً ذاتياً في منطق تاريخ الروح. وقد اعتمد اللاهوتيون هذا الفكر في القرن العشرين وجعلوا من الوحي المفهوم الاساس (بيتر إيخر) للاهوت المسيحي الحديث.

أما اليوم، ونتيجة نقاش حول أسس المعرفة البشرية، فيطالعنا التزامُ عدد من المواقف التاريخية والفلسفية المختلفة ضمن تعددية حوارية (نيكولا والترستورف) يفضي إلى نتيجتين محتملتين: الأولى هي النسبية التي تربط الحقيقة بجماعة الناس التي تؤكّدها. والثانية تتمثّل في موقف من ” الاتضاع المعرفي” نُقرّ من خلاله أن معرفتنا ترتبط دوماً بأمر معطى، أمر كان لأجلنا. في هذه الحالة لا بدّ لنا من الإقرار بأنه ليس من ديانة كاملة لا تتغيّر، ولا يمكن حصر ادعاء تفسير الوحي بهذا المعنى الواسع بتفسيرٍ واحد.

نقاشٌ حول الإيمان كمفعول للوحي، المقصود بمصطلحي pistis وإيمان والايمان وألوهيّة يسوع المسيح

تساءل البروفسور شميتز عمّا إذا كانت فكرة الوحي كـ”كلمة نجاح” لا يمكن تطبيقها إلا إذا قُبل الوحي على أنه كذلك، هي عبارة عن مفهوم حديث للوحي، أم إن اللاهوتيين قد أقرّروا بها في الماضي. كما تساءل عما إذا كان اعتبار الإيمان مفعولاً من مفاعيل الوحي، مؤشّراً على اقتصار مفهوم الإيمان على الديانة المسيحيّة. فردّ البروفسور شووبل أن النظريات تلك تمثّل تصوراً داخلياً للاهوتي مسيحي وليس لمؤرّخ.  وأضاف أنّ الاستراتيجيّة التي يعتمدها شخصيّاً في الحوار ما بين الديانات تقوم قبل كلّ شيء على تحديد الشروط إنطلاقاً من منظار ديانته الخاصة على أن ينتقل في مرحلة لاحقة إلى الاستفسار من أفراد جماعته الدينية عن النطاق حيث يستخدمون المفهوم نفسه. فالايمان بمثابة مفعول من مفاعيل الوحي بهذا المعنى المهيمن إنّما نجده في اللاهوت المسيحي دون سواه؛ بالنسبة إلى الديانتين اليهودية والإسلامية فتعتمدان مفاهيم مختلفة للإيمان، على غرار التقاليد الصوفية الاخرى.

في السياق نفسه، أشار البروفسور تامر إلى أن الديانة المسيحية، خلافاً للديانتين اليهودية ( التوراة) والإسلامية ( القرآن) لا تملك نسخة مكتوبة عن الوحي. كما أشار إلى أن معنى مصطلح pistis  (المقصود به الإيمان) باليونانية يختلف عما يُعرف بالإيمان في اللغة العربية. من جهته، أقرّ البروفسور شووبل أن المسيحية ليست ديانة كتابية في الحقيقة، لكنها تتمحور حول شخص. مع ذلك، يستند الإيمان في الحالات كافة إلى نوع من وسيط اتصال، محفوظ بقدسيّته في الكتب المقدسة، وإن استقت تلك الأخيرة معناها الروحاني من فكرة أن المسيح حاضر وموجود من خلالها. بالنسبة إلى الاختلاف ما بين مصطاحي pistis   وإيمان، أوضح البروفسور شووبل أن المسيحية تستند إلى منطق الوعد أكثر من استنادها إلى منطق الشريعة، وأن pistis إنّما تُفهم استجابة للوعد ذاك.

غير أنّ البروفسور عفصر الدين أشار إلى أن الإيمان أساسي ومركزي في الديانة الإسلامية كما في المسيحية، ذلك أن أركان الإسلام الخمسة لا يكتمل معناها بدون الاولى وهي الشهادة ( دليل على الإيمان). علاوة على ذلك، يحتلّ وعد الله، المعروف من خلال الوحي، مركز الإيمان في الإسلام أيضاً. ردّاً على ما ذكره البروفسور عفصر الدين، أشار البروفسور تامر إلى أن فعل أشهدُ الذي تبدأ به الشهادة على الإيمان عند الإسلام، لا يحمل المعنى نفسه للمصطلح اللاتيني credo .

أما البروفسور شووبل فوفّق في ردّه بين وجهتي النظر بالاعتراف بوجود الاختلافات، لكن هذه الاخيرة سرعان ما تُجعل نسبيّة  عندما نتكلّم عن الله بدلاً من التكلّم عن الديانات الأخرى. ذلك أن المفاهيم هذه تتمحور حول الله في الديانات التوحيدية الثلاث. برأيه، يكون النقاش اللاهوتي هذا أقرب إلى الحوار الفعلي منه إلى المقاربة ضمن الدراسات الدينية.

بالنسبة إلى فكرة التجسّد، سألت الدكتورة أموس: أين يطالب المسيح في العهد الجديد  باسم إلهي؟ فأجاب البروفسور شووبل أنّ ألوهية يسوع المسيح إنّما تكمن في علاقته مع الله الآب.

  1. مفهوم الوحي في الإسلام

قدّمت البروفسورة مهى القيسي فريموث من جامعة إرلينغين البروفسور عفصر الدين ( من جامعة إنديانا بلومنغتون) الذي استعرض خمسة جوانب من مفهوم الوحي بحسب القرآن الكريم:

  • الوحي اتّصال وتواصل بين الله والبشر
  • القرآن هو الوحي الأساسي ونعمة للجنس البشري
  • طريقة الاتصال
  • الوحي رسالة إلى البشر أجمعين
  • الوحي تأكيد وإثبات على التوحيد.
  • يشير مصطلح الوحي المذكور خمس مرات في القرآن الكريم إلى الرسالة التي وجهها الله إلى البشر من خلال العلامات والإشارات، ويُقصد به القرآن على وجه الخصوص على أنه الكلام المنزل من الله مباشرة. ويتركّز مفهوم الوحي على الله محرّك الوحي. أمّا مصطلح تنزيل فيشير إلى نقل الوحي من الله عبر وسطاء. على سبيل المثال، يُذكر الملاك جبريل في القرآن (26: 22-26) مُرسلاً أُنزل من خلاله الوحي. ما يؤكّده الطبري(من أبرز المفسرين والمؤرخين في التاريخ الإسلامي) في تعليقه على السورة 53:5 من القرآن الكريم. هذا التنزيل ليس سوى سلسلة صلبة من نقل الوحي تحمي القرآن من التزوير أو التعديل. وبحسب السورة 15: 9، فإنّ اعتدال القرآن واستقامته إنّما يضمنهما الله نفسه. من جهته، يعتبر فخر الدين الرازي (إمام مفسّر شافعي) أن السورة 53: 3 (إن هو إلا وحي يوحى) ليست سوى دحض واضح لكلّ من يتّهم النبي محمّد صلى عليه وسلّم بالتنبؤ وقول الشعر. أمّا محمد أركون (مفكّر وباحث أكاديمي وناقد جزائري)، فيرى أنّ البنية الرمزية للقرآن تفرض حالة تواصلية من الوحي ويشير تالياً إلى أصله الإلهي.
  • ترتبط الفكرة القائلة بأنّ القرآن يشكّل الوحي الأساسي بمفهومي اللوح المحفوظ أو أمّ الكتاب، ويُقصد بهما بحسب الطبري (من أبرز المفسرين والمؤرخين في التاريخ الإسلامي،( النسخة السماوية الاصلية للكتاب التي تحمي القرآن من التعديل. في السياق نفسه، نتبيّن من السورة 4: 163-165 أن القرآن إنّما دليل على عدالة الله ومحبّته للبشر.
  • لا يتمّ التواصل بين الله والبشر إلا من خلال الوحي، أو من وراء حجاب أو عبر ملاك. كما يُطبّق الوحي على غير الإنسان، بمعنى أنّ الله يوحي إلى الحيوان أو الملاك أو الكون. حتى أنه يُطبّق أحياناً بمعنى الإلهام الإلهي المختصّ ببعض الأشخاص من غير الانبياء، منهم على سبيل المثال والدة موسى. أضف إلى أنّ الوحي قد يُنقل من الأنبياء إلى غير الأنبياء، كما قيل في السورة 19: 11 من أنّ زكريّا أوحى إلى قومه.
  • لمّا كان الوحي رسالة من الله، فهو عالمي تالياً، لكنّه خاصّ أيضاً بالزمان والمكان. فنقلُ رسالة الوحي إنّما هو الدور الأساسي للنبي. وإنّنا ّإذ نشير إلى تلك الرسالة بالكتاب، نربطها برسائل سابقة موحى بها، منها على سبيل المثال في السورة 5: 46، حيث قيل إن يسوع المسيح قد أكّد ما كان من قبله. ما يعني ضرورة أخذ الرسائل الموحى بها من قبل على محمل الجدّ من منظور إسلامي. إشارة إلى أنّ القرآن الكريم يتضمّن مسحات من الحوار بين الجماعات الدينية المختلفة المطّلعة على الكتب المقدّسة الأخرى. وتشير الدعوات العديدة للتعقّل الواردة في القرآن إلى أنّ القدرات العقلانية لمتلقّي الوحي تشكّل جانباً مهماً من جوانبه.
  • يوفّر مفهوم الوحي كإثبات للتوحيد ( الإيمان بإله واحد) نوعاً من الأرضية المشتركة بين اليهود والمسيحيين والمسلمين. خير مثال على ذلك عبارة كلمة سواء الواردة في السورة 3: 64: وهي كلمة مشتركة تتّفق عليها الديانات كافة، ما يصفه الطبري بالإيمان المشترك في وحدة الله، ويتّخذ منه عدد من المفسّرين في الحقبة الحديثة نقطة انطلاق مشتركة لاجتهاد تأويلي بين الديانات.

في الختام، يمكن القول إنّ الوحي مفهوم أساسي بالنسبة إلى الديانة الإسلامية أيضاً، لكونه اتصالاً مباشراً بين الله والانسان وهداية إلهية للضالين، ما يجعل منه تعبيراً عن رحمة الله تجاه الجنس البشري. أضف إلى جانبه الموحّد، إذ إنه يوحّد الأشخاص من الديانات الثلاث متلقّين لرسالة الله.

نقاش حول العهد وتجزئة الوحي في الإسلام

في ردّ على سؤال البروفسورة القيسي حول معنى كلمة ” عهد” في الإسلام مقارنة بمعناها في الديانة اليهودية، قال البروفسور عفصر الدين إنّ المصطلح العربي “عهد” يشير إلى اتفاقية أو ميثاق، ولا يُقصد منه تحديداً الأمة اليهودية دون سواها. ويشمل، ضمن علاقة تبادلية، وعداً بالخلاص مقابل الإيمان والأعمال الحسنة ضمن تفاهم متبادل بين الله والبشر. تالياً يرتبط الإيمان في الإسلام ارتباطاً وثيقاً بالامتنان لهذا الوعد. وتُعطى العلاقة التبادلية إسم ” العهد”. غير أنّ تلك الترجمة قد تكون مضلّلة نظراً للمعنى الذي يحمله المصطلح في الكتاب المقدس. في هذا السياق أضاف البروفسور شووبل أن العهد في التوراة هو من جانب واحد،   ذلك أنّ أحد الطرفين قد  ألغى الطرف الآخر، بحيث أن أي تبادلية في هذا السياق لا تماثلية. لكنّ الله يحصر صفة الرحمة في شخصه رداً على البشر.

في الختام لفت البروفسور تامر نظر المشاركين إلى مفهوم تجزئة الوحي ( الذي سبق للبروفسور شميتز أن ذكره في معرض مداخلته) في الإسلام، الذي يتمثّل في وجود ما يُقارب  الـ 24000 نبيّ، بينما مصدر الوحي واحد، موحى به حصصاً في سياقات مختلفة. عن هذا الموضوع أشار البروفسور شووبل لاحقاً إلى أن الوحدات المتراصة المتجانسة وحدها قابلة للتجزئة، بينما تقوم الوحدات الأخرى على مبدأ التعددية.