Navigation

تقرير عن ورش العمل

ورشة عمل حول مفهوم التسامح والسلام في الديانات الثلاث: اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام

A مفهوم التسامح في الديانات الثلاث: اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام

  1. مداخلة البروفسور مايكل زانك من جامعة بوسطن: مفهوم التسامح في الديانة اليهوديّة:

لا بدّ من الأخذ في الاعتبار، في معرض أيّ نقاشٍ حول التسامح في سياق الديانة اليهوديّة، تجربة ترحيل الشعب اليهودي وإقصائه. أمّا مفهوم التسامح أو التساهل ( بمعنى التساهل السياسي إزاء التعددية الدينية) فحلّ بين اليهود آتياً من الخارج، من الإسلام بدايةً، ومن المسيحيّة في العصر الحديث. في هذا السياق، قدّم البروفسور زانك لمحةً تاريخيّة عامّة عن مفهوم التسامح في الديانة اليهودية، مُستشهداً برسائل الفيلسوف التنويري جون لوك حول التسامح، حيث عرّف مفهوم التسامح بغياب اضطهاد الدولة. كما ذكّر بـ”إعلان اليهود” the jew bill التي أقرّها مجلس النوّاب في ماريلاند في العام 1862، بالاضافة إلى امتياز التسامح toleranzpatent  الذي نظّم وضع اليهود في أراضي هابسبورغ.  وأشار في كلمته أيضاً إلى تحرّر اليهود عبر أوروبا في القرن التاسع عشر الذي لقيَ مقاومة ضروس ولكنّ مفهومه سرعان ما توسّع ليطال حقوق الأقليّات عموماً.

لقد تعرّض مفهوم التسامح في بعض الأحيان للانتقادـ حيث وُصف بمنحدر زلِق يؤدي إلى تسوية الهوياّت. في هذا السياق، تعرّض اليهود على مرّ التاريخ لهجوم من كلا الجناحين السياسيين، اليمين واليسار، الأول لميله إلى تفضيل التسامح الجماعي على أنه اندماج جماعي أكثر منه فردي، والثاني لأنه اعتمد مبدأ من التسامح لا يتوافق مع الدولة المسيحية. وتشمل الأسئلة التي لا بد من الإجابة عنها في معرض مناقشة مفهوم التسامح في الفكر اليهودي، الأسئلة التالية :هل التسامح ظاهرة قانونيّة جماعيّة أم فرديّة وخاصّة؟ هل واجه اليهود في العصور القديمة مفاهيم معادلة مع أنّ مصطلح تسامح هو اكتشاف حديث؟ وهل التسامح في الطقوس المختلفة ضمن الديانة اليهودية جزء من النقاش، وما هي حدوده؟

للإجابة على السؤال الثاني، لا بدّ من الانطلاق من دراسة الكتب المقدّسة بحثاً عن أمثلة عمّا يُسمّى بالتسامح أو التساهل في اللغة الحديثة. في هذا المجال، يمكن دراسة قصة فينحاس إبن ألعازار في التوراة ( عدد 25) مثالاً على التعصّب الديني. من جهة أخرى، قد نجد أمثلة عن التسامح ضمن وصية دمج الغرباء في المجتمع، مع أن البعض قد يعتبرها أيضاً نوعاً من فرض الامتثال القانوني على الغرباء. أما ما يُسمّى بـ ” التمييز الفسيفسائي”، الذي أدخل مفهوم الحقّ أو الزيف إلى الدين، فقد أرسى أقلّه بعضاً من الحصرية، تبقى علاقتها بالتسامح موضوع استكشاف.

في الديانة اليهودية القديمة، نتبيّن تجريد الدين من الطابع السياسي وتساهلاً كبيراً في مجال تحديد هوية من ينتمي إلى شعب إسرائيل. وقد وضع بعض الفلاسفة اليهود، لا سيما منهم موسى بن ميمون، نوعاً من الارستقراطية الفكرية على من الجانب الآخر لحدود جماعات الإيمان وشدّدوا على ضرورة قبول الحقّ حيثما وُجد. أمّا المتصوّفون اليهود، فاعتبروا الشعب اليهودي في أحيان كثيرة متفوّقاً بالمعنى الوجودي على غيره من الشعوب في الكون. ثمّة اختلاف أيضاً حول الضرورة الملحّة التي تُفرض على اليهود في مجال إعادة اليهود المُبعدين الذين لا يطبّقون الشريعة اليهودية إلى ممارسة الهالاخاه، أو حول مقدار التساهل في التعامل مع اليهود غير الملتزمين. كما أثيرت في النقاش مسألة الاضطهاد الديني للأقليات من خلال اليهود. يمكن القول إن اليهود لطالما شكّلوا عبر التاريخ حالة استثنائية في ما يتعلّق بالاضطهاد الديني، ذلك أنهم نادراً ما احتلوا موقعاً من النفوذ السياسي. وأذكر إستثناء وحيداً هو شبه الجزيرة العربية ( السعودية حالياً) حيث خضعت الأقلية المسيحية لمعاملة قاسية. أما الفكرة القائلة بأن اليهود هم شعب الله المختار فقد ذُكرت دليلاً محتملاً على التعصّب، لكنها قد تُفهم على وجه الخصوص فريضة خاصة يحملها اليهود، فتنمّ تالياً عن استثنائية عملانية أكثر منها ثابتة. ولا بدّ من التمييز بين الذاتيّة والتعصّب. في هذا السياق يمكن الاستشهاد بمثال محتمل عن التسامح في التوراة يكمن في ميول أشعياء العالمية. على سبيل المثال، تُفهم صورة “لأَنَّ بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى لِكُلِّ الشُّعُوبِ” ( أشعياء 56: 7) في كثير من الأحيان على أنها تسمح لكلّ أمة بأن تصلّي على طريقتها.

  1. مداخلة البروفسور كريستيان بولك، من جامعة غوتينغن حول مفهوم التسامح في الديانة المسيحية

يمكن مقاربة مفهوم التسامح من خلال اعتباره فكرة نظريّة أو فضيلة عمليّة. أمّا الجماعات الأولى التي طُبّق عليها مفهوم التسامح على مرّ التاريخ في أوروبا، فتمثّلت في جماعة المنشقيّن ضمن الديانة المسيحية. وكانت فكرة التسامح قد نشأت بالتزامن مع فكرة الحرية الدينية في بداية العصر الحديث. وحصلت الحروب الدينية في القرن السادس عشر لتنتج قارّة منقسمة بأراض متجانسة في الداخل نظراً لمبدأ “لكل منطقة منطقتها” cujus region ejus religio. وشاءت سخرية القدر أن يؤدّي هذا الانقسام إلى تقليص المساحة المخصّصة للمنشقين من كلّ من الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتيّة السائدة. ويعدُّ كلّ من بيار باي وروجير ويليامز ركنين أساسيّين من أركان تطوير مفهوم التسامح. فقد أدخل الأخير فكرة التسامح الديني حتّى إزاء الملحدين والوثنيّين، في حين استهجن احتلال الأراضي الأميركية الأصلية. برأيه، فإنّ التسامح لا بدّ أن يكون إلزاميّاً في الحياة العامة، ذلك أنّ السلام لا يمكن ضمانه بفرض نظام من الحقّ المطلق على المجتمع برمّته. ولا يكون التوازن بين الحقّ والسلام ممكناً إلا من خلال الفصل بين الدين والدولة. أضف إلى أنّ السلام الذي يقدّمه التسامح الديني هو أيضاً إلزامي من وجهة نظر أخلاقيّة دينيّة، ذلك أنّه يمنح الله الوقت ليكشف سلامه إلى البشر.

بالنسبة إلى بيار باي، ولمّا كان بلوغ الحقيقة المطلقة حول المسائل الدينية مستحيلاً في هذه الحياة، فقد أوصى الله بكلّ بساطة بالبحث عن حقيقته. تالياً من الضروري أن يُسمح لكلّ شخص بحرية الضمير، وإن كان ذلك لا يعني أن ضمير كلّ شخص سيؤدي به حتماً إلى سلوك الطريق الصحيح. ولا يُسمح لأي جماعة دينية باستخدام القوة لإرغام الآخرين على الالتزام بقناعاتها، وإلا وجدت كلّ جماعة دينية، ضمن إطار معتقداتها وقناعاتها، تبريراً لاستخدام العنف.

تكثر مفاهيم التسامح ضمن الاطار المسيحي وتفرض علينا التفسيرات المختلفة.  لكنّ المفاهيم تلك لا بدّ من عيشها وتطبيقها من خلال عادات أخلاقية؛ ذلك أنّ التسامح، وإن رأى فيه البعض مفهوماً نظرياً، فهو يبقى لا محالة فضيلة قائمة على السعي إلى إيجاد التسويات أساساً للنتائج المؤقتة للنزاعات. ويؤمّن الاعتراف بالخطايا، وهو جزء من الليتورجيا، أساساً طقسياً من أسس التسامح، ذلك أنه خير دليل على التسامح الذي يبديه الله تجاه الخاطئ، أضف إلى أنه يحذّر من انعدام التواضع، الذي يُعدّ أساس التعصّب ( أنظر لوقا 18:19؛ متّى 7: 3-5).

تلى المداخلة نقاشٌ حول إمكانية الانتقال من مرحلة التسامح الصرف إلى مرحلة القبول المتبادل على مبدأ المساواة إنطلاقاً من وجهة نظر لاهوتية مسيحية. في هذا المجال، من الضروري التمييز بين احترام  بني البشر على انهم قد خلقوا على صورة الله من جهة، وإبداء التساهل إزاء آرائهم من جهة أخرى، من دون أن نُضطر إلى قبولها بالضرورة. ولا ينطلق بناء مفهوم التسامح من مفهوم نظري يدخل حيّز التطبيق في مرحلة لاحقة، لكنه يكمن في تطبيق فضيلة التسامح ومن ثمّ في التأمّل فيها وفي مظاهرها. تبدأ هذه العملية على المستوى الطقسي، ما يندرج ضمن التقليد الأرثوذوكسي لفهم الحياة المسيحية تحت عنوان ” ليتورجيا بعد الليتورجيا”.

  1. مداخلة البروفسورة أنا أكاسوي من جامعة سيتي في نيويورك حول مفهوم التسامح في الإسلام

يتجذّر تفسير التسامح عبر التاريخ في أوروبا، ولم يشكّل موضوعاً نظرياً في التاريخ الإسلامي. بدأ إستخدام مصطلح التسامح في العصور الحديثة بمعنى الكرم المتبادل. بالنسبة إلى التفسيرات القرآنية للتسامح، يعمد عدد من المفسرين إلى اختيار آيات مختلفة ذات صلة بالموضوع، فيخرجونها من سياقها، ما يؤدي إلى نتائج متفاوتة. في التقليد السنّي، يعتبر الشرع الاختلافَ ضمن حدود معقولة ظاهرة مقبولة لا بل نعمة، مع أن مبدأ الإجماع يؤدي هو أيضاً دوراً أساسياً. علاوة على ذلك، يوجِد مبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب التدخّل الذي قد يُعدّ نوعاً من أنواع التعصّب. ويطالعنا في كلّ من الفلسفتين الصوفية والإسلامية أشخاص يستصغرون الاختلافات بين الأديان لاعتبارها مقاربة ناقصة للحقّ. كما يطالعنا هذا الاحتكاك الدائم بين جانبي الشرع: الشرع المعفي من التسامح بحيث قد تُستخدم القوة لدعمه، والشرع على أنه الدائرة حيث توضع نظرية التسامح وتُطبّق. تجدر الإشارة في السياق نفسه إلى مفهوم ” أهل الكتاب” الذي قصد في الأساس المسيحيين واليهود لكنه غالباً ما شهد توسعاً واقعياً ليشمل جماعات دينية أخرى، وضعت في موقع التابع، ولكن في ظلّ حماية الشرع الإسلامي. وتُبين الامثلة التاريخية للتسامح ونقيضه أنّ المصطلح وإن كان حديثاً، فإنّ التسامح بمثابة حالة كان راسخاً في حقبات مختلفة من التاريخ، وأن العنف الذي سبقه لا يحتّم تحديد المستقبل.

إنطلاقاً ممّا سبق، لا بدّ من الإشارة أيضاً إلى أن ظهور فكرة التسامح الديني في غرب اوروبا لم يحدد نهاية العنف وتالياً لا ينبغي المبالغة بأهميته. في المجال نفسه، يعدّ الكثير من الدراسات القائمة حول فكرة التسامح في الإسلام محاولات لمواجهة الإجحاف الذي يلحق به من جراء اتهامه بالتعصّب والعنف، ويميل تالياً إلى صورة الإسلام المتسامح. وكان ستيفن كوكو، المتخصص في الدراسات الشرقية في جامعة إرلنغن، قد اعتبر  التسامح نهاية النزاع. فالتسامح هو حلّ، ما يعني أن غيابه قد يشير إما إلى نزاع دائر أو إلى غياب أي مشكلة في الأصل. وقد نتساءل أيضاً عن وجود مفاهيم مهيمنة ضمن مصطلح تسامح ( معارضة له، تحمل معاني مختلفة وتعني التبادل من الناحية الاشتقاقية). كما نوقشت في مرحلة لاحقة مسألة تأثّر الخطابات حول التسامح بخطاب الهيمنة الأوروبيّة.

أمّا مظاهر التطور الديني الداخلي، ومنها السماح بالاختلاف في إدارة التعدّدية، فيمكن اعتبارها إطاراً يغطي فترة معينة ويكون ذا صلة في أي سياق ثقافي. لكنّ الهيمنة لا تُفهم بمثابة استعمار صريح فحسب، بل أيضاً بمثابة نوع من أنواع تصوّر جماعة ما على أنها الآخر. لا بدّ ايضاً من الاخذ في الحسبان أن المجتمعات تميل إلى تقليص هامش الافكار المقبولة بغض النظر عن التأثير الخارجي على مرّ الوقت على سبيل المثال. فتفسير الطبري الذي كان من أوائل المفسرين للقرآن ناقش تباينات أكبر من تلك التي ناقشتها التفسيرات اللاحقة. ولا يمكن حصر مفهوم التسامح في الإسلام بما يقوله القرآن في الموضوع. عوضاً عن ذلك، لا بدّ من الاخذ بعين الاعتبار دور الظروف التاريخية في البنية القرآنية وفي التطور اللاحق للمفهوم. علاوة على ذلك، فإن تلك الاعتبارات وإن كانت مناسبة من وجهة نظر المؤرّخ، فهي لا تعكس المواقف الدينية لعدد كبير من المسلمين في الحقبة الحديثة، والتي لا يجب التغاضي عنها.

  1. المناقشة الختامّية

إستهلّ البروفسور إيزاكس المناقشة الختاميّة للعرض فأبدى بعض الانتقادات القاسية بشأن مداخلة البروفسور زانك. برأيه، يكمن السؤال الرئيسي في معرفة الدور الذي تؤديه الممارسات الدينية اليهودية في تحويل شخص ما إلى شخص متسامح، علماً أنّ المصطلح العبري soblanuyt ومعناه التسامح، لا يعبّر عن مفهوم كتابي لا بل هو اكتشاف حديث. عمليّاً، أن يكون الفرد متسامحاً لا يعني أن يتقبّل الآخر المتعصّب، لا بل أن يدرك عظمة  كلّ شيء ويقبله صنيعاً من صنائع الله. قد يشكّل تقبّل البشرية ومحبّتها على هذا النحو تحدّياً كبيراً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التجربة التاريخية المؤلمة التي عصفت بالشعب اليهودي، وهي تجربة لا بدّ  لأيّ نقاش حول الديانة اليهودية أن يأخذها بعين الاعتبار: فالمبادئ الأساسية الثلاثة التي ترتكز إليها الديانة اليهوديّة، لا سيما منها أحاديّة الله والشعب اليهودي كجماعة، وارتباطه بأرض إسرائيل، قد تعرّضت للهجوم مرّات عدّة على مرّ التاريخ. تالياً لا يمكن تقسيم تطوّر الفكر اليهودي إلى حقبات زمنية منفصلة إذا ما أخذنا في الحسبان التصور اليهودي للتاريخ على أنه كبسولة واحدة. ومن الأسئلة الأساسية الأخرى في سياق التسامح في الديانة اليهودية سؤال عن نظرة اليهود إلى أحاديّة المسيحيّة والإسلام، ذلك أن أحادية الله تشكّل المبدأ الأساسي الذي يميّز الديانة اليهودية. ويبقى الاعتراف بالديانة الاخرى ( بدلاً من الأفراد) على أنها تطبّق شرائع نوح موضع استكشاف وبحث.

التسامح يعني تقبّل الآخرين كما هم، ولكنه يعني أيضاً رفض التخفيف من الاختلافات. ما يعني عدم المساواة بين الحصرية والتعصّب، وإن أدّى ذلك إلى تعدّدية في الآراء المتعلّقة بالحقّ. ومن المشاكل الأخرى التي أثيرت في المناقشة نصوص من التقليد اليهودي تُشبّه الأشخاص من غير اليهود بالحيوانات لا بل أدنى مرتبة من الحيوانات.  غير أنّ ما تعنيه تلك النصوص هو أنّ الأشخاص الذين لم يعرفوا أي تجربة نبويّة، بمن فيهم عدد كبير من اليهود، هم من مستوى الحيوانات في مجال وعيهم الروحاني. عموماً، يرتبط تصنيف النوصوص التقليدية نصوصاً بإشكاليّة بالسياق الحالي وبالتغيرات على مرّ الزمن. ولمّا كان ذلك من طبيعة الديانة، فمن غير الممكن تكييفه ليناسب زمناً معيّناً أو وجهة نظر معيّنة. أما مفهوم الشعب المختار، الذي يؤدي دوراً في كلا الديانتين اليهودية والمسيحية، فلا بدّ أيضاً من البحث فيه انطلاقاً من مفهوم التسامح. فالتسامح يُعدّ مسألة داخلية ضمن كلّ ديانة على حدة، وليس فقط بين الديانات المختلفة. في هذا السياق، تعرّضت المداخلة حول التسامح في الديانة المسيحيّة للانتقاد واتُهّمت بالتحيّز. كان من الأجدى لو أنها تطرّقت إلى أنظمة لاهوتية أخرى ضمن المسيحية. أضف إلى أن المداخلة المذكورة قد ركّزت على المفهوم السياسي للتسامح، في حين أن التسامح الديني يتّخذ مكاناً له بين بين: فهو لا يتعلّق بالدولة ولا بالفرد، لا بل يتعلق بمجتمعات أو بجماعات. في هذا الاطار لا بدّ من التمييز بين معنيين لمصطلح التسامح: ” التسامح” هو بالأساس مصطلح سلبي ، يعني التساهل مع الآخرين ومسامحتهم من دون تقبّلهم كأشخاص متساويين أو الاتفاق معهم. غير أن بعض الوثائق الحديثة، ومنها إعلان المبادئ بشأن التسامح الصادر عن اليونيسكو يستخدم المصطلح نفسه بالمعنى الإيجابي أي بمعنى التقبّل والتقدير. كما أنّ المعاني العملية لمفهوم التسامح قد تغيّرت هي أيضاً مع الوقت، ذلك أن المفاهيم المتعلقة بهوية المستفيد من التسامح وبموضوع التسامح تختلف باختلاف السياق.

شملت المناقشات أيضاً مسألة ما إذا كان التسامح ينطوي بالضرورة على جعل المطالبات بالحقّ نسبية، أو ما إذا كان ممكناً إيجاد مفهوم من التسامح الديني يتيح ارتباطاً بالحقيقة المطلقة.

أما إشكالية العلاقة بين التسامح والحقّ فناتجة في بادئ الأمر عن أن الحقّ يُشكّل أيضاً مفهوماً منطقياً/علمياً. فالحقائق في مجالات العلوم والمنطق، هي وقائع لا يجب التساهل بشأن الخروج عنها في المجال التربوي. غير أنّ الحقيقة في مسائل الدين أو الأخلاقيات تختلف عن الحقيقة في الرياضيات أو العلوم، من حيث لا يمكن الإمساك بها وتعريفها تعريفاً موضوعياً. تالياً لا بدّ من تقبّل الآراء المختلفة بشأن ماهية الحقيقة. أما تلك النظرة الخاطفة عن الحقيقة المطلقة التي يمكن الإنسان الإمساك بها، فتتحوّل باستمرار وتفلت من بين أيدينا لتستدعي موقفاً من التواضع. تكمن المسألة التي تُطرح ملحة في هذا الإطار في إمكانية تحرير الدين من بنى القوّة التي يرسيها العنف أو السلطة المطبّقة. يمكن فهم التسامح على أنه، فضيلة شخصية مرتبطة بالتواضع، وفضيلة إجتماعية مرتبطة بالعدالة، في آن معاً.

في معرض مناقشة مفهوم التسامح في الإسلام، لا بدّ من النظر في بعض النقاط اللغوية، لوجود عدد من المصطلحات العربية المختلفة التي يمكن استخدامها تعبيراً عن التسامح (ومنها التسامح والتساهل والحلم واللطف..)، ولكل منها معنى مختلف ولا يعبّر أي منها تعبيراً دقيقاً عن المصطلح الإنكليزي tolerance . أضف إلى  ضرورة الأخذ بعين الاعتبار السياق التاريخي لمصدر القرآن، ذلك أنّ سياقه التعددي فرض صيغة تعددية متسامحة، بالرغم من صعوبة تثبيت الرابط الصحيح بين التعددية والتسامح. فلمّا كان جمهور الخطيب القرآني متنوّعاً، فإن الخطبة بحد ذاتها تختلف في خلال فترة الوحي؛ كما أن المواقف التي تتخذها النصوص بشأن الديانات الأخرى، فتتأثّر هي أيضاً بحالات معيّنة. على سبيل المثال، فإنّ سور مكّة أكثر تساهلاً مع الديانات التوحيدية الاخرى من سور المدينة. في هذا السياق، أثيرت مسألة وجود علاقة بين التسامح والأبويّة، وتالياً ما إذا كان التغيير في النبرة بين سور مكّة وسور المدينة مرتبطاً بوصول الجماعة المسلمة إلى السلطة السياسية.

أمّا ما تضمّنته المداخلة من إشارات إلى التسامح على أنه مفهوم مهيمن فلم يُقصد منها تصوير التسامح مفهوماً أمبريالياً بحتاً، لا بل تصويره مفهوماً حديثاً، ما يضع الإسلام في موقع دفاعي. لا بدّ بالأحرى التوصّل إلى نواة عالمية للتصور وصياغتها، ذلك أننا نجد نسخاً من النواة المذكورة في التقليد الإسلامي.

B ورشة عمل حول مفهوم السلام في الديانات الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام

 

 1.مداخلة الدكتور أليك إيزاكس من الجامعة العبرية في القدس: مفهوم السلام في الديانة اليهودية

بصفتي شخصاً يهوديّاً متديناً ومعنيّاً بعمليّة السلام بين إسرائيل والفلسطينيّين، أقول إنّ الهويّة الدينية للفرد هوية متوتّرة نتيجة التماثل الديني مع جماعة يختلف مشروعها السياسي اختلافاً كبيراً. في الوقت نفسه، ثمة اختلاف بين فلسفة السلام العلمانية التي نتبينها على سبيل المثال في معاهدة أوسلو، وفلسفة السلام الدينية التي تثير إحتمال أن يرى الشخص المتدين في مبادئ اتفاقية أوسلو سلاماً. في حالة النزاع على ملكية قطعة من القماش، بحسب ما جاء في المشناه (كلمة عبرية تعني الشريعة الشفوية والتعاليم، وهو كتاب تعليم الديانة اليهودية، وبتعريف آخر هو تدوين لنقاشات حاخامات اليهود حول الشريعة اليهودية، الأخلاق، الأعراف، وقصص موثقة من التراث اليهودي،) ، يكون الحلّ  بقسمة القطعة إلى قسمين. لكن في حال كان النزاع بشأن مخطوطة من التوراة أو كما في قصة سليمان والمرأتين، حول طفل، يكون الحلّ مدمّراً. تالياً لا بد من الإجابة أولا عن السؤال في ما إذا كان السلام يؤدي إلى القسمة أو يستلزم كلية نظراً لحرمة موضوع النزاع أو مكانه.

تكمن الفكرة الأساسيّة الواجب معالجتها في هذا السياق في وحدة الاضداد المتناقضة ( كما هو مُبيّن، على سبيل المثال في أشعياء 11:6: ” فيسكن الذئب مع الخروف”)، مثلما تكمّل أحادية الله تعددية الخلق بدلاً من معارضتها ( حزقيال 37: 15-28). هذا هو أساس فكرة السلام في اللغة العبريّة وهو يتناقض تناقضاً جذريّاً مع أيّ فكرة من أفكار السلام تستندُ إلى أرضيّة مشتركة. عوضاً عن ذلك، فهو يشملُ الوجودَ الثابت للأضداد وتأكيداً متناقضاً يتّسم بطابع نبوي لمّا كان الله خالق الأضداد كافة، حتّى الأضداد المتناقضة واحدة بالنسبة إلى الله (أنظر Judas Loew b. Bezalel, Derekh Hayin). تالياً، تشمل الفكرة الدينية للسلام لدى اليهود انبثاقاً للتنوّع شرطاً لفهم الوحدة. ما يثير على المستوى العملي مسألة ما إذا كان واجباً أن يُحوّل الحق الديني في إسرائيل إلى مفهوم علماني لا يعتقدون به أو يعتقدون عوضاً عن ذلك بترجمة مفهومهم الخاص للحقيقة بواقع سياسي.

يمكن القول إنّ وحدة الأضداد هي فكرة أكثر تطرّفاً من التعددية، ذلك أنّ الوحدة السلميّة للأشياء كافة في هذا العالم تشمل وجهات النظر كافة، حتى غير السلمية منها، في حين أنّ التعددية تستثني تلك الجماعات التي لا تؤيد المبادئ التعددية المتساهلة. مع ذلك، ولمّا كانت العلمانية والتعددية والتسوية موجودة أيضاً في هذا العالم، يمكن دمجها هي أيضاً ضمن الإطار المذكور. بالنسبة إلى بعض الجماعات، تبقى الكليّة الرافضة للتسوية الخيار الوحيد المقبول والمتجذّر عميقاً في نظرتهم إلى العالم.  وتُعدّ هذه الرؤية للسلام تحدياً لقبول تلك الجماعات، حتّى عندما لا تتوافق الكليّة التي يطلبونها مع كليّة الفريق الآخر. فيصبح تالياً قبول الغير قبولاً لا تحقّقه النظرة التعددية المستندة إلى التسوية.

مع أنّ المداخلة هذه شملت تحليلاً نظرياً لمعنى السلام في الفكر اليهودي، وهو مفهوم نظري أكثر منه سياسي، لا يمكن فصل هذه الفكرة عن النزاع الحياتي الحالي. لقد نوقشت تلك الأفكار في منتديات مناهضة للسياسة وأتاحت النقاشات بين حاخامات اليمين والزعماء الدينيّين الفلسطينيّين.

 2.مداخلة البروفسور فولكر ستومكي من جامعة Bundeswehr Command and Staff  College في هامبورغ حول مفهوم السلام في المسيحيّة

 

يُستخدم مصطلح السلام في نصوص الكتاب المقدّس، إمّا بالمعنى السلبي وهو انعدام الحرب، أو الإيجابي الذي يصف الأفراد المتعايشين باقتناع، وهو المعنى الذي لا يُعطى في الحقيقة في غالب الأحيان. فالسلام يوصف هدية من الله بطرق ثلاث: 1- الله يمنح السلام من خلال إرساء نظام عادل لا فوضى فيه. 2- الله يتغلّب على العنف ويُحلّ السلام من خلال تدخّله. 3- الله يتغلب على العنف بالمحبة والمصالحة. فهو، إذ امتنع عن الردّ على خطايا البشر رداً عنيفاً وقبل عوضاً عن ذلك أن يحملها بنفسه ويتألّم بشخص يسوع المسيح، قد كسر دائرة العنف. وتشكّل هذه الصورة الفكرة الأخلاقية لموقف غيري إزاء الآخرين والتزاماً بالعدالة والبرّ في العالم، ما يُعدّ بالتأكيد من المثاليات التي غالباً ما يُخفق المسيحيون في تطبيقها على أرض الواقع.

سادت عبر التاريخ النظرة إلى الدولة العلمانية كياناً وجد للحفاظ على السلام السلبي ( اي غياب الحرب)؛ فيعيّن للكنيسة وللدولة أهداف منفصلة. تالياً تصف فكرة السلام سلاماً قانونياً، وليس سلاماً مطلقاً حيث يُقيّد العنف من دون أن يُلغى. غير أنّ بعض الأقليات ينبذ أي شكل من أشكال العنف بما فيها عنف الدولة، ما يقودها إلى رفض الخدمة العسكرية وفي بعض الأحيان إلى الانسحاب من المجتمع العام.

وقد شهدت العصور الحديثة تحولاً في الفكر المسيحي حول الحرب والسلام من نظرية ” الحرب العادلة” إلى الإطار التصوري الذي يركّز على خصائص السلام العادل. وتمّ استبدال فكرة الحرب العادلة كاستمرارية للسياسة بوسائل أخرى، بفكرة الحرب كإخفاق للسياسة. أما مفهوم الحرب العادلة الذي وضعه توما الاكويني واقتبسه من كلّ من القديس أوغسطينوس وشيشرون فكان القصد منه في الأصل الحدّ من الحروب والحؤول دون العنف المفرط. وفي أواخر العصور الوسطى في إسبانيا، أضيفت معايير أخرى ( ومنها فكرة التناسبية والحرب كالحلّ الأخير) إلى تعريف ” الحرب العادلة”، تحديداً لتنظيم العلاقة مع السكان الأصليين في أميركا الجنوبية. ويذهب التصور الحديث أبعد من ذلك من فيؤكّد أنّ السلام وحده عادل وأن الحرب شرّ بدرجة أقلّ. ما يشجّع تحولاً في الفكرة القائلة بأنّ الاعتبارات السياسية تبدأ بفكرة سلام. خير مثال على ذلك، ميثاق الأمم المتحدة، لا سيما المواد 2 و3 و4 منه. في هذا الإطار، لا بدّ من تركيز العلاقات الدولية على صنع السلام.

يمكن فهم السلام بمستويات مختلفة ( على أنه سلام بين الله والبشر، أو سلام داخلي للفرد، أو سلام بين الأفراد أو بين الجماعات). أمّا ترابط تلك المستويات وفائدتها بالنسبة إلى الخطاب الحديث، فمسألة مثيرة للاهتمام، ذلك أنّ المستويات المذكورة لطالما كانت محطّ دراسة منفصلة. وكان ماكس شيلر قد اعتبر الخبراء في علم الأخلاقيات شاراتٍ لا بدّ من أن توجّه الاخرين في الاتجاه الصحيح من دون أن يتبعوا هم أنفسهم الاتجاه المعين. في هذا الإطار كان السلام السلبي الهدف الوحيد القابل للتحقيق. مع ذلك، حصلت بعض التطورات الأخيرة ضمن الاخلاقيات تركّز على الاقتناع وعلى شروط التعايش السلمي، بما في ذلك ضبط الذات، ما يعيد المواقف الشخصية إلى الخطاب الأخلاقي ويعيد التركيز على السلام الايجابي. كما تؤدي الافكار الدينية دوراً في هذا المجال أيضاً، وإن لم يتطلّب السعي إلى ضبط الذات أن يكون الفرد متديّناً. أما الرابط الوثيق ما بين السلام والنظام العام فقد يوصف بالقمعيّ ، كما يعبر عن ذلك براين ورين في قصيدته ” قولوا لا للسلام/إذا كان ما يقصدونه بالسلام/ بؤس الجائعين الصامت .. وآمال المضطهدين المجهضة”. مع ذلك، يستلزم الحفاظ أقلّه على المعنى السلبي للسلام، شيئاً من النظام.

 3.مداخلة البروفسورة أسمى عفصر الدين، من جامعة إنديانا بلومينغتون حول مفهوم السلام في الإسلام

ركّزت مداخلة البروفسورة عفصر الدين على تفسير عدد من الآيات القرآنية حيث يؤدي السلام دوراً. نذكر على سبيل المثال ما ورد في 49:9  : ” إنّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتّقوا الله لعلّكم تُرحَمون”، في تشديد على أهمية العلاقات السلمية بين المؤمنين”. وهذا ما نتبيّنه أيضاً في كل من السورتين 3:103 و8: 63 . أمّا خلفيّة هذا المفهوم فتتمثّل في الحروب الطويلة بين قبيلتي أوس وخزرج، اللتين اتّحدتا فيما بعد ضمن الجماعة الإسلامية الجديدة. تالياً يمكن فهم الآية القرآنية على أنها رفض واستنكار للتحزّب القبلي. وبحسب تفسير القرطبي، فإنّ الآية المعنيّة تحذير من الشقاق ضمن الجماعة الدينية. وتُبيّن 8: 63 أنّ الله وحده قادر على تسوية الخلافات. بالنسبة إلى الإمام والفقيه مجاهد، فإنّ الآيتين المذكورتين بمثابة تفويض لصنع السلام ويعتبر مصافحة اليدين السلمية بين المؤمنين سبباً لمغفرة خطاياهم. أمّا 8: 61، فتصحّ بالنسبة إلى الطبري على الأوقات والأزمان كافة، ويضيف أنّ الميل إلى السلام يتطلّب تبادليّة وقبول عروض السلام.

في السياق نفسه، تُحدد 60: 6-8 نموذجاً عن صنع السلام وتوضح شروط الحرب العادلة وشروط التعايش السلمي: ” عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودّة والله قدير والله غفور رحيم. لا ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين. إنّما ينهكم الله عن الذين قتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون.” يرى الكثيرون في الآيات المذكورة حضّاً على التعاطي بسلام ومودة مع غير المسلمين ممّن لا يعارضون بعنف الجماعة الإسلامية. كما يتمّ الاستشهاد بـ49: 12  (” يا ايّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”) بمثابة إقرار على التعددية التي تشمل الاعتراف بالاختلافات بدون إطلاق الأحكام. وبحسب إحدى مدارس الفكر الحديثة التي يمثّلها على وجه الخصوص ج. سعيد، فإنّ ” الصبر” والمغفرة ركنان أساسيّان من أركان السلام. وبحسب سعيد، يمكن استمداد السلام من قصّة قايين وهابيل، إذ إنّ الله قد قبل هابيل لموقفه المسالم. تالياً، لا يجب أن يدعو المسلمون إلى القتل أو العنف، ولا يجب ان يتخلوا عن الإيمان الذي يترافق مع موقفهم المسالم هذا خوفاً من القوّة.

صحيح أنّ القرآن يتضمّن أيضاً آيات تحمل رسالة مختلفة، بما فيها دعوات إلى قتل الكفّار والمشركين، غير أنّه من الضروري قراءة الآيات المذكورة في السياق التاريخي للحرب الذي شهد على الوحي بها. في هذا السياق أستشهد بالآية الشهيرة 9:4 ( “فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم”) التي تحتوي على دعوة إلى العنف ويمكن قراءتها مع 60:7-9 وفيها حضّ على استخدام العنف لمواجهة عدائية غير المسلمين. أمّا 9: 5 فتوصي بحماية المشركين الذين يلتمسون الحماية ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره”). ومع أنّ عدداً من علماء الدين المتطرفين في يومنا هذا يرون في 9:4 إلغاء لـ8:61، فإنّ المفسرين الكلاسيكيين ومنهم الطبري لا يوافقونهم الرأي. في بعض السياقات، استخدمت تلك الحجج لتأهيل المتطرفين، لا سيما منهم الشباب الذين مالوا إلى التطرّف نظراً لنقص في التعليم. أمّا مفهوم الجهاد بمعني الحرب الهجومية باسم الدين فأدخله الفقهاء ومنهم الشافعي. فهو ليس موجوداً كمفهوم في القرآن والحديث.

 4.المناقشة الختامية

لا بدّ للكتّاب أن يأخذوا بعين الاعتبار، في إصداراتهم حول مفهوم السلام، العلاقة بين الخطابين الديني والسياسي للسلام. فضلاً عن ذلك، لا يمكن فهم فكرة السلام من دون نقيضها، ما يحتّم تالياً إضافة ذلك في كلّ فصل. على سبيل المثال، من الضروري أن يتطرّق الفصل حول السلام في الإسلام إلى مفهوم الجهاد أيضاً. قد يضاف، في نهاية كلّ فصل، بُعدٌ عملي يسهّل عملية صنع السلام مع اليهود والمسيحيّين والمسلمين المتديّنين، من خلال تفسير السياقات المفيدة المتعلقة بالديانات المذكورة.

بالنسبة إلى المصادفة المعادية المذكورة في الحديث عن السلام في الفكر اليهودي، فهي تتضمن عنصراً صوفيّاً روحانيّاً: فتقدير الاختلافات غير القابلة للتسوية يُظهر شيئاً من التعالي يتجاوز تلك الاختلافات ويجعل التعايش في ما بينها ممكناً. كما يجب أن يتضمّن الإصدار الجانب العملي لصنع السلام إستناداً إلى تعريف لاهوتي يأخذ على محمل الجدّ أنّ الاختلافات غير قابلة للتسوية.

وكان اللاهوتي البروتستانتي والتر برويغيمان قد ميّر بين مسارين ضمن العهد القديم، الأول يركّز على التحرّر والتحوّل والثاني على الثبات والدمج. ويتكرّر مصطلح شالوم (ومعناه السلام) في  نصوص من العهد القديم، يحبث يبدو لنا مفهوم السلام مرتبطاً بالبنى التراتبية والنظام أكثر منه بتحوّل جذري. غير أنّ النقاط العالية في الفكر الكتابي هي النقاط حيث يتقاطع المساران، ما يعيدنا مجدداً إلى فكرة السلام على أنها اتحاد الأضداد.

قد تُطرح تساؤلات حول الجاذبية العملية التي تتمتع بها هذه النظرة إلى السلام بالنسبة إلى الغالبية ، وحول ضرورة وجود مكوّن تربوي لهذه النظرية لتنشئة جيل جديد ضمن هذا الإطار. في هذا السياق، أوضح الدكتور إيزاكس أنّ الروحانية والدين لا يتداخلان  كثيراً ضمن السياق اليهودي، بما أنّ الدين يُعدّ أكثر من الروحانية التطبيق العملي للوصايا. تالياً، فإن الجانب الروحاني ليس مهيناً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يميلون إلى العلمانية بقدر ما هو كذلك في المجتمعات التي تحدد الدين من منطلق معنى أكثر روحانية. علاوة على ذلك، نشهد في المجتمع المنقسم توقاً عظيماً إلى تلاقي الفرص تلاقياً اعميقاً، بحيث ينجذب الكثيرون إلى التفاعل غير السياسي أكثر منه إلى السياسة الحقيقية، الأمر الذي لم يؤت أي نتيجة فعالة إلى اليوم. مع ذلك، لا بدّ من الاخذ في الحسبان أنّ هذا التلاقي صعب بالنسبة إلى الذين يخوضون كلّ يوم تجربة القمع والاضطهاد.

من المسائل الأخرى المطروحة أهمية السلام ضمن العائلات وارتباطه بالسلام السياسي على مستوى أوسع. تستخدم اللغة العبرية المصطلح نفسه للتعبير عن السلام بالشقين المذكورين. أضف إلى أنّ السلام في العائلة عنصر أساسي من عناصر السلام الجماعي. في السياق نفسه، يشدد القرآن أيضاً على أهمية صنع السلام في السياقات المحلية.

ثمّة طرق ثلاث ممكنة للحدّ من إصرار الأصوليّين على تحقيق نظرتهم العالمية في كليتها: 1- جانبان من النزاع الواحد منهما يحدّ الآخر . 2- حدود تأويلية ضمن تقليد نصّي. 3- تجربة مباشرة وذاتية لأهميّة الكرامة الإنسانية.

كما سبق ورأينا، فإنّ مصطلح شالوم العبري القديم والمفهوم الحديث للسلام السياسي لا يُترجم أحدهما الآخر ترجمة جيدة. قد يكون مجدياً أن نكتشف ما إذا كان الاختلاف ذاك متعلّقاً بثنائية السلام الإيجابي والسلبي التي ذُكرت في العرض حول السلام في الفكر المسيحي. ومن الأسئلة الأخرى الممكنة سؤال حول ما إذا كان السلام بالمعنى الإيجابي القوي ممكناً بدون السلام بالمعنى السلبي. ومن المواضيع الأخرى الواجب دراستها في الفصول الموضوع المتعلق بكيفية تعامل المؤمنين في الحقبة الحديثة مع الإرث التاريخي العنيف لديانة كل منهم؛ على أن يناقش ايضاً موضوع استحالة الفصل بين الدين والدولة طريقاً إلى السلام؛ مع الأخذ بعين الاعتبار الفرق بين الفصل الصارم والتمييز البسيط بين الدين والدولة ( وربّما في مجالات الحياة الإنسانية الأخرى ومنها الاقتصاد والعلوم والعائلة).

C حلقة مناقشة في 13 ديسمبر 2017 حول التسامح في الديانات اليهودية والمسيحية والإسلام: حقيقة أم أمنية؟

رئيسة الحلقة: الدكتورة كاتيا ثورنر (من جامعة إرلنغن نورنبرغ). المشاركون: البروفسورة أنا أيس أكاسوي ( جامعة سيتي نيو يورك)، البروفسور هاينر بيليفيلت ( من جامعة إرلنغن نورنبرغ)، البروفسور فولكر ستومكي   والبروفسورة سوزان تالاباردون ( جامعة بامبرغ).

مثلما أشارت البروفسورة تالاباردون في الكلمة الافتتاحية،  يمكن فهم مصطلح التسامح بطرق مختلفة، تتراوح ما بين التسامح البسيط إلى الاحترام المتبادل العظيم. امّا الأخير، وهو المعنى الأكثر شيوعاً للمصطلح، فهو نادراً ما يُطبّق على أرض الواقع. وإذا طُبّق فجزئيّاً. غير أنّ كثيرين يعتبرون أنفسهم أكثر تسامحاً ممّا هم عليه في الحقيقة: فعند سؤالهم عمّا إذا كانوا متسامحين، يجيب عدد كبير منهم بالإيجاب. لكن، عندما يُسألون عن مسألة ملموسة يبدون نوعاً من التعصّب. وغالباً ما تُعدّ الثقة بالقناعات الشخصية ضرورية لإبداء التسامح تجاه الآخرين. لكنّ هذا التسامح يتطلّب في الوقت نفسه نوعاً من التحرّر. يمكن القول في هذا السياق إنّ حلّ هذا التناقض أسهل بالنسبة إلى اليهود منه إلى معتنقي الديانات الأخرى، بما أنّ الديانة اليهودية ليست ديانة عالميّة هدفها استمالة الآخرين إليها، وأنّ الأمم المستحقّة هي التي تتشارك عالم الغد. ولطالما شكّلت مسألة التسامح تجاه اليهود  على مرّ معظم الحقبات التاريخية مشكلة أكبر مما هي عليه تجاه الآخرين. فبرزت ضرورة أن تبدأ كلّ ديانة بوضع نظام لاهوتي خاص بها للحوار بين الاديان.

وقد ميّز البروفسور ستومكي بين ثلاثة أبعاد للتسامح: التسامح في التجربة الشخصية، والتسامح في السياقين السياسي والاجتماعي. على سبيل المثال، لا يواجه البروفسور مشاكل مع معارفه المسلمين في فريق كرة الطائرة لكن السؤال يبقى ما إذا كانت الحالة هذه حالة من التسامح الفعلي أو مجرّد تجاهل للاختلافات، بما أنّ الاختلافات الدينية غير مهمّة، وبالكاد نلاحظها في مجال الرياضة. يمكن استخلاص أمثلة من التسامح في السياقات الاجتماعية من المستشفيات ودور الحضانة التي تملكها الكنيسة. نظراً للنقص في العمّال المدرّبين يلجأ العديد من هذه المؤسسات إلى استخدام موظفين من ديانات مختلفة، من دون أن يؤدي ذلك إلى مشاكل على نطاق واسع ولكنه قد يؤدي إلى نزاع حول التفاصيل في بعض الحالات، على سبيل المثال العطل وأوقات الصلاة. وانطلاقاً أيضاً من تجربته الشخصيّة، تحدّث البروفسور ستومكي عن النظرة إلى الديانات الأخرى في الجيش الألماني. لمّا كان الجيش الألماني لا يضمّ مسلمين أو يهوداً في صفوفه، فإنّ معظم جنوده لا يتعرّفون إلى المسلمين إلا في ميدان الحرب وتالياً في سياق النزاع. قد يدركون فكريّاً أنّ المسلمين غالباً ما يكونون هم أيضاً ضحايا أو أنهم يبدون مقاومة سلمية ( كما هي الحال في رواندا)، غير أنّ تجربتهم المباشرة مع الإسلام إنما يحكمها العنف.

وكانت البروفسورة أكاسوي قد أوضحت في كلمتها الافتتاحية أن التسامح موجّه في المقام الأول إلى الأشخاص، وليس إلى اليهود أو المسلمين أو المسيحيّين في حدّ ذاتهم. كما أنّ التسامح يصبح موضوع نقاش متى تبيّنا غيابه. في هذا السياق يبقى السؤال مفتوحاً حول الدور الذي يؤديه الدين في التسامح أو التعصّب: فهل يكون حافزاً أم أداة. في ما يتعلّق بالإسلام تحديداً، يمكن تبرير التسامح والتعصّب بالرجوع إلى القرآن الكريم. غير أنّ التعصّب غالباً ما يكون مشكلة داخلية أكبر بين المسلمين، منها ما بين غير المسلمين. مردّ ذلك جزئياً إلى أنّ التسامح لا يعني التشابه اللاهوتي، لا بل السماح بوجود الآراء والممارسات المتباينة. في الواقع، فإنّ الاختلاف بين معتقدات شخص ما ومعتقدات آخر يدّعي أنه من الديانة نفسها قد يُسبّب مشكلة أكبر من تلك التي يسببها الاختلاف مع أحد ينتمي إلى تقليد مختلف تماماً وله معتقدات أكثر اختلافاً.

من جهته، قال البروفسورBielefeldt  إن التسامح بين الديانات هو حقيقة وأمنية في آن معاً. فمن المجتمعات والعائلات ما يشهد تعايشاً سلميّاً في الحقيقة. على سبيل المثال، يُعدّ التعايش بين المسيحيين والمسلمين وحالات التحول بين الديانتين مسألة بديهيّة في عدد كبير من غرب أفريقيا. لكنّ العلاقات السلمية المماثلة قد تكون في أماكن أخرى مثالاً يصعب بلوغه. ما يصحّ على حدّ سواء بين الديانات المختلفة وبين الفرق المختلفة ضمن كلّ ديانة. غالباً ما تتجاهل المشاريع بين الأديان هذه التعددية الداخلية. فلا تقوم الفكرة الأساسية لتلك المشاريع على التسامح بل على حقّ الإنسان في حرية الدين وهو محدد تحديداً أوضح ومطبّق تطبيقاً أسهل.  توفّر حقوق الإنسان الأساس المطلوب لقبول الآخر على الرغم من الاختلافات وانعدام التفاهم والتوافق. وتؤدي المؤسسات العامة دوراً مهمّاً في هذه العملية ، ذلك أنه في غياب المؤسسات العلمية القوية لا مكان للتواصل العام الآمن، ما يؤدي بالافراد إلى تنظيم بقائهم ضمن  الجماعات التي ينتمون إليها. فتغيب الثقة بالأفراد والمؤسسات خارج تلك الجماعات الضيّقة.

التسامح ظاهرة من علم النفس الاجتماعي أكثر منه ظاهرة دينية. ويُطبّق على الآراء السياسية المختلفة كما على المعتقدات الدينية المختلفة. حتى الأخصام في السياسة يستحقون التسامح ولا بدّ من احترام آرائهم، لكنّ ذلك لا يلغي كونهم أخصاماً. الأمر نفسه يصحّ على المنتمين إلى الديانات الأخرى: فاحترام آرائهم لا يعني الموافقة عليها. التسامح ليس فئة قانونية لكنه يُطبّق في المجالين الشخصي والمدني. أما فكرة الكاهن واللاهوتي الكاثوليكي هانس كونغ حول الأخلاقيات العالمية فلم يعتبرها المشاركون مفيدة في هذا السياق. بادئ ذي بدء، فإن فكرة أننا نؤمن كلّنا بإله واحد فكرة على قدر  كبير من الإبهام يحول دون أن تكون مفيدة، في حين أن النقاش مثلاً بين المسيحيّين واليهود حول الكتاب المقدس المشترك في ما بينهم (التوراة) قد يوفّر المزيد من أسباب الاختلاف الحضاري. ثانياً، يُبيّن التشديد على نقاط التشابه والنقاط المشتركة بين الأديان ميلاً مناهضاً إلى التعدّدية. فمن الأصدق والأقرب إلى الواقع تشجيع العلاقات السلمية مع الإقرار بالاختلافات الاساسية.

أخيراً تؤثر ظاهرة العولمة على مسألة التسامح بطرق مختلفة. فمن جهة، يؤدي انعدام الشعور بالأمان الذي يختبره عدد كبير من الناس في عالم يطغى عليه طابع العولمة بالكثيرين إلى التشبّث بهويتهم، ما يبرز واضحاً في تعزيز الهوامش السياسية وتزايداً في التعصّب. في الوقت نفسه، تُشكّل الجماعات العالمية الجديدة هي أيضاً هويات جماعية جديدة، لم تعد مرتبطة بالمكان أو بالأصل العرقي. أمّا النهي عن النفاق الموجود في الكتاب المقدس فيمنح المسيحية آلية للنسبيّة الذاتيّة. يكفي أن ينظر الفرد إلى دولته على أنها دولة مسيحية ليواجه خطر الوقوع في فخّ النفاق. وبالمثل يضم العديد من الكتابات الدينية آليات تستبعد الآراء المتطرفة أو التوتاليتارية. فالمتطرفون هم في غالب الأحيان الأشخاص الذين لا يدركون التقليد الذي ينتمون إليه في أي عمق من أعماقه. تالياً، تكمن إحدى الطرق للمساهمة في العلاقات السلمية بين الأديان المختلفة في نشر التربية حول الديانات وتجنّب التعميم وأنصاف الحقيقة.